هذا الطريق أعرفه جيداً

























هذا الطريق أعرفه جيدا. إنه الطريق المؤدي إلى قريتي. كنتُ أعتقدُ أن في نهايته قريتي، ولكني لما كبرت عرفتُ أن بيتنا نقطة في هذا الطريق الممتد، وأن هذا الطريق يمُرّ بقريتنا لا غير. هذا الطريق هو ذات الطريق الذي قال طاهر الزهراني عن السائرون فيه أنهم لا يتوبون ولا يذكرون. إنه الاستنزاف العُمْريّ الذي اصابني بكآبة لم أعد اقدر معها على السير فيه. عامان وأكثر وأنا هارب منه، به من طيور الشؤم كما به ظِلال الحُلم. به ذكرى أبدية لي ، وعلى كل بقعة منه أمنية نستني بعد أن تخففتُ منها. هذا الطريق الذي يمتدُ حتى كأنه لا ينتهي هو أشبه بأفعوان زمني يتلوى على قلبي وينهش في ذكراه. اهرب منه لأنها الذكرى الأديبة اللطيفة التي تجتذبني. كيف سأخون هذا الطريق بوحش جديد يلتهم دواخلي ويسعى للفتك بكل آثاري الجميلة. كم من معتطفات وملتويات وهضبات ووديان يضمّها هذا الطريق الأثري، كم من محطات للراحة ومحطات للبنزين ومساجد ومقابر وقرى مبعثرة وأرتال من الغبار النائم وأشكال من البشر المنتثرة يفرزها أمامي هذا الطريق، إني أقاوم العودة إليه وقد كبرت كثيراً وكأنه يغمزُ لي ببعض العتب المستفز. أخشى اني في هذين العامين لم انجح في اقتلاعه من ذاكرتي العاطفية وكأني كنزتُ له جِبالاً من اللهفة والعشق وأشياء غامضة من البغض واللعنات. ساعات طوال تشبه أيام كثيرة كانت مسيرتي في هذا الطريق، في الليل والنهار عند الفجر وفي الظهر وساعات العصر،  مرات لا استطيع الانطلاق فيه إلا ليلاً مختبأً وسنوات أخرى أخاف الليل ولا اسمح لنفسي بالسفر في الظلمة الغادرة. ابرحُ فيه عندما تنسل الشمس بين رمال الصحراء ويخفيني الليل في عباءته الغامضة.. وامضي فيه أيام أخرى من السنة حيث اُبصر الجِمال والرمال ومزارع الجُحّ والأرض الخضراء. أحاديث طويلة طويلة الكثير منها بدون معنى خضتها مع صديقي عبدالواحد في هذا الطريق.. لا ادري كيف كان ينطلق الكلام من بين  أفواهنا بكل عذوبة وجنون وحميمية. وفي المرات التي افتقده فيها كنتُ أرى أن الحديث مع شخصي يمثّل أهمية كبرى لي. كنتُ اتحدث ما يقارب الثلث ساعة مع نفسي بصوتٍ عال، ثم اجترّ هذا الحديث وأنا ساكنٌ في عقلي ثم انفجر ضاحكا بعد ذلك لخمس دقائق حتى أعود لحديث آخر مع نفسي. كان الجنون يحيط بي في هذا الطريق. التسلية في هذا الطريق هي المنظر، المنظر البديع الواقف الذي اطير بالقرب منه ، صور لا تكفيني حياة لأكتب عنها لتصبح مروية، لكنها تسكنُ فيّ وتشعرني كأن وحي تلك القصص والأسرار قد سمح لي بالإنصات له والتلذذ به. الأغاني العظيمة التي لم اشقى بها يوما، الأغاني التي كانت هي نفسي حيث تخلقُ فيّ مخلوقٌ جديد أحبه ولا اتركه، ُظهيرات أبوبكر سالم وعصريات طلال مداح وليالي أم كلثوم ، كل ألبومات طارق السويدان انهيتها في هذا الطريق، السيرة النبوية استمعتُ لها أكثر من مرة وسير الخلفاء الراشدين كل خليفة على حدة والأئمة الأربعة والبخاري وروائع القصص وغيرها.. كان السويدان هو مربيّ على هذا الطريق ، إنه معلمي الذي أحبه كثيرا. هذا الطريق به علامات غريبة تتلمسها نفسي وأعرف بها أين أنا في زمني النفسي، مئذنة هذا المسجد الصغير الأغبر تعني لي الزمن الراكض الذي قضيته منذ أخر مرة رأيتها حتى مشاهدتها الآن، تلك المئذنة كانت موعظة الطريق، محطة المَدرج تعني انتهاء الطريق المستقيم النظيف، خرسان الغرم يعني البدء في نصف الطريق المتبقي، تلك المحطة تعني وفاء العامل بها، ذاك الكوبري يعني جثث تحترق أمام عيني وجمجمة تتفسخ من فروتها حتى تقع وتنفلق. هذا الطريق أعرفه جيداً .. إنه طريق الجنون الذي انقضى، الحب الذي مارسته بتهور، البحث في المصائب والفضائح عن حلّ، العودة إلى أمي وجدتي وسطح بيتنا. هذا الطريق دنيا هائلة من التأمل المستغرق ، طالما تحالفتُ معه ليبذل لي النصح فخنلته، طالما تعانقت معه ونمتُ مُنهكاً في بعض استراحاته. وكل مرة احملُ معي فكرة جديدة وشيء جديد .. هذا الطريق يجددني في سالف الزمن، ولكني منذ عامين قطعتُ تلك الصلة ، لأني أعرفه جيدا.. 






















ـــــــــــــــ
* الصور بتأريخ 17/ شوال/ 1428 هـ



abuiyad