اترك لي بعض الطعام











إنه الجوع يا صديقي. أين ذهبت ؟! . لم أجدك. جلست هنا كثيراً .. ناديتك بكل حروفي. لم تخرج أبداً. ولم اسمع صوت الباب. ذهبتُ وعدتُ . قلتُ في نفسي : انك ربما مرضت .. أو نمت كثيراً . أنا لا أعرف كم ساعة تنام. ولكني انتظرتك على هذه الفرشة الحمراء الغبرة. ألتصقت بالباب، خرج جارك مرات إلى الصلاة ثم ناولني مرة بقايا غداءه وبعض الماء، كدتُ اقفز عليه ولكني كنتُ كالهُزال، مُتهالكة. كنتُ اُرهف شعيرات أذني لغرفتك، كان السكونُ مميتاً. أعتقدت انك تتعفن بالداخل. ولكن الجوع كان ينهش فيّ، والمخاض يصيبني بالجنون. كَبُر بطني كثيراً.. وتغير مزاجي جداً . كل ما يهمني أو أن أأكل واشرب. إن في هذا المبني وحده ثلاث قطط جائعة والفحل الأسود الذي يسكن بالطابق الأرضي.. إنه خرتيتٌ ملعون، فعل بي كل هذا. موزة تركت أطفالها عند المبني القديم، ثم زحفوا بالقرب من ظل المسجد. اني اتعارك معها كثيراً ، تعرف اني احتاج الطعام أكثر منها، ولكنها معلونة كالخرتيت.. لم أعد أخافها، الأزمة التي أعيشها جعلتني شجاعة، اتحارب معها وامزّق فروها واعضّ رأسها وأقدامها، لا تهمني أبداً، لقد انتهت تلك الأخوة القديمة. أخوتنا وصداقتنا تنتهي حين يجول الفحل بيننا، ننسى رضعات الحليب المتجاورة ورؤوسنا تصطك ونحن نتلقف أثداء أمي لنروي العطش. لا ادري لماذا شعرتُ باليأس حين مرّت أربعة أيام دون أن أراك أو أشعر بك ؟!. لقد أصابني هذا بالألم ونسيت الحيرة التي أخذتني أياماً اُعاين أماكن عدة.. لا ادري أيها أنسب لولادتي الأولى !. كأنها خيانة مارستها معي. أنت عرفت جيداً اني ارغب في غرفتك لألد فيها. كنتُ اشعر انك تُجهّز لهذا الاختفاء المفاجئ حينما كنتَ تقطع عليّ لحظات السكون التي اقضيها وأنا اختبر أحد المخادع الثلاثة في غرفتك أيها أفضل لي. ولكنك رحلت دون أن ادري. ذهبتُ حزينة والمخاض يعصف بي وببطني، إلى الغُرفة الأمل.. نعم إني اُسميها غرفة الأمل. فعليّ بعد الولادة أن أجلب لنفسي بعض الطعام والماء حتى يتعذى الصغار بحليبي. الخروج من تلك النافذة ومن ذاك العلو صعب عليّ وربما يكون خطيراً ، لقد رأيتني وبطني منتفخ لم أعد استطيع القفز ولا حتى التعلق بك. السيل الذي جاء وأغرق الناس كان كريماً عليّ بأن خصص لي هذه الغرفة لوحدي ولكن المشكلة كما قلت لك أني أخاف الا أقدر على القفز والإتيان بالطعام. الآن مشاعري مختلفة، لقد هُتك الستار الذي كان يحميني من الجنون والصراع والهرب ، بتُ أواجه بصمود حتى الفحل الأسود، أحاول أن اخمشه وأهرب. الآن لم أعد تلك القطة الجاهلة الصغيرة التي تلعب هنا وهناك، إني إذا لم أجدك لن أناديك ، اذهب فوراً. الجوع .. يُشعل حروب هذا المبنى، تقلّصت أعداد الناس هنا، فتقلّص الطعام . حوذ كسرت عظم يدها وهي تتقاتل مع الخرتيت، إنها الآن تمشى وهي ترقص على قدم واحدة، لن تُشفى قريباً. أما أنا فقد افقت بعد الولادة.. وحاربت من أجل الأطفال، ثم اخرجتهم من النافذة بفمي واحداً واحداً ، كانوا أربعة ، وبعد أن مشوا قليلاً، هربت من الأمومة، انني أريد أن أعود فتاة الأحلام تلك، التي تناديك وتنام عندك، وتلحس يدك. تعال حارب معي هذا الأسود ، إنه عنيد .. ربما يهاجمك ، يعتقد أنه ملك هذا المبنى، نحن القطط لو اجتمعنا لطردناه ، وعشنا بخير، روذ الآن حاملة منه مرة أخرى ، لقد أغراها بالسُلطة والطعام، والآن تعاني لوحدها، ولا يهمّ أن اتقاتل معها على بعض الطعام، بعد أيام قليلة ستُجنّ مثلما جُننت. النار تلهبنا منذ الظهيرة ، والصيف لا يرّحم ، وحين يخلو المبنى من الناس ربما يموت بعضنا الذي لا يقدر على الهرب أو الإنتقال لمكان آخر به نسرق بعض الطعام. أعتقد أن حوذ ستموت هذا الصيف ، لن تستطيع أن تتسلق الجدار، وربما روذ أيضاً، مالم تلد باكراً وتترك أطفالها للموت!. لست ادري ، ربما نجد بعض الطعام في الجهة الاخرى من هذه المباني ، وقد لا يموت أحدٌ منّا. إننا نحلم هذه الأيام بالحياة الرغيدة التي سنعيشها لو صبرنا وتجاوزنا هذا اللهيب. سأنظر لأطفالي من بعيد ، ولن يهمني أن يموت أحدهم إذا لم يجد ما يأكله، إذا قاوم سيحيى. الصيف الماضي ماتت هون بطفليها، لم يقترب أحد من ذاك المبنى أبداً ، سوى الخرتيت الأسود المعلون ليسرق بعض الطعام. صديقي .. اترك لي بعض الطعام، إنه الجوع يأكل عظمي!.



abuiyad