بياع الليم











الأرزاق لا تضيع. إنها مكتوبة في اللوح المحفوظ. إنها محفوظة.. عليّ أن اسعى لها. لا يضيرني من السعي شيء. احمل في عقلي هذا الطموح ، وفي عضلات وعظمات جسدي ما يمكنني من السعي. وتجوس الفكرة في مجرة عقلي منذ أيام الدراسة. كان النهار ممتد وطويل جداً بعد نهاية الدوام. أنا لا احب اللعب كثيراً.. الصحراء الممتدة خلف بيوتنا المتواضعة اكتشفتها مع حميد، قضينا بها ساعات طويلة وشعرتُ بأني امشي في أرض بيضاء.. ماذا ستعطيني الصحراء التي تحيط بالمدينة.. إنها وجه البحر الآخر.. لغزٌ آخر ، وفي يوم ما ستلتقي الوجوه وستغرق المدينة. كيف ستمضي هذه السنون ؟!. اشعر برجل عملاق يسكنني.. متى يخرج هذا العملاق ويتجرأ في هذا العالم العظيم. اني انتظر.. وسأنتظر. لا يهمني كم سأنتظر. يهمني ألا افقد هذا العملاق الذي يريد الخروج. الآن حميد ينعم مع والديه في قرية الغوص على البحر. إنه صديقي، ولكننا ربما نفترق إذا كبرنا واخرج كل واحد منا عملاقه. إني أحبه.. لقد شجعني على فكرة البيع هذه، كان أول من اشترى من عندي بسكوت "شمعدان" و علكة " مستكة"، في ذلك العصر فرحت كثيراً، لقد بعت كل ما لدي في الملعب، وعدتُ بـ 32 ريال بدلاً من 25 ريال. احبه لأنه ساعدني في صيد اللوز وجمعه وبيعه.. وحين اقسم المال بيننا كان يقول -وهو يُفرّغ اللوز من بذره الأسود- انه صديقي وانه ساعدني فقط ولا يريد المال.. لم يكن حميد بحاجة ليختبر لذة جمع ريال أو ريالين إضافيين.. لم يبخل عليّ بصداقته ولذا أحبه. وحين سمحت لي أمي أن اقضي مغارب بعض ايام الاسبوع عند هذا السوق ابيع بعض الألعاب غمرتني الفرحة. لأني عرفت اني سأكون أمام الناس كلهم ، وسأعلن لهم اني بياع ، واني احب هذه الطريقة التي اكسب بها المال، ولن اخجل أبدا أن يراني بعض زملاء مدرستي وهم برفقة والديهم أو أخوتهم.. سأبتسم لهم إن ابتسموا، وسأنظر إليهم وكأني لا اعرفهم إن فعلوا ذلك. قبيل الاختبارات النهائية كنت ابيع في كل مغرب ثلاثة أو أربعة ألعاب.. وحين رأيت الرجل اليمني وهو يبيع كراتين المنقى وهي تنفذ سريعاً..ركبتي نشوة.. اخبرت أمي اني أريد ان ابيع المنقى.. ولكن من أين اشتريها ؟؟. كان الرجل اليمنى يتجول بكرتون منقى مفتوح يعرضه على الناس ولا يستحي ويبيعه ثم يعود بآخر .. لا ادري من أين يأتي به بهذه السرعة. لحقت به وقلت له اني أريد ان ابيع المنقى. قال لي ان ابيع الثوم والليمون أفضل، لأن المنقى ستنتهي سريعا .. فهذا موسمها، أم الثوم والليمون فالكل يريدها في كل وقت. ناقشت الفكرة مع أمي.. وافتقدت لتشجيع حميد منذ أن بدأ الصيف. تراه الآن يستكشف البحر بنظارته المائية.. اشتريت أولاً أكياس الليم.. كنتُ ابيع في كل ليلة كيس أو كيسين ، بعد ان سمحت لي أمي أن يمتد نشاطي إلى العاشرة مساءاً. لم يشتر أحد مني الليم.. كان البعض يعاينه ويقلّبه.. وبعد أن يسأل عن سعره.. يتركني ويترك كيس الليم ويذهب. لقد كانت الألعاب بألوانها الجذابة تنفذ بسرعة أكبر. في البيت رأت أمي حسرتي.. وعرضت عليّ أن ابقى في البيت واُريح نفسي وستشتري هي مني كل ما لدي من ليم.. رفضت العرض. كنت اجلس طوال النهار انتظر آذان المغرب حتى انطلق إلى الأضواء والناس الذين يشترون بضاعتي. بعض الليم فقد ليونته وبات صلبا يابساً. دحرجت تلك القطع اليابسة للفتاتين السوداوتين الصغيرتين عند باب المطعم.. وقبلت كل واحدة منهما الهدية بعد ان رضيت أمههما هذا التصرف مني. كانت صدقة اجبارية .. تلك الليمات التي اهديتها ستجعل كيس الليم يفقد بريقه.. حجمه .. وعدد حباته.. ولذا اشتريت كيساً جديدا من الليم ووزعت حباته على الأكياس التي أخذتُ بعض القطع منها. هكذا كانت بضاعتي كاملة وجاهزة للانتقال. المرة التي يأستُ فيها وبقيتُ حتى الساعة الحادية عشرة ازداد عدد الزبائن وبعتُ أربعة أكياس والتي كانت كل بضاعتي. استقبلتني أمي وهي في طريقها إلى السوق غاضبة وباكية وحائرة.. اعتقدت أن أحدهم سرق بضاعتي. قلت لها عليّ أن أأتي السوق بعد صلاة العشاء.. لا أحد يريد الليم في المغرب. تلك الليلة اشتريت لها طبق معمول من التمر كنتُ رأيتُ أحدهم يأكل مثله قبل أيام على باب متجر التمور. وبعد مساومات.. وافقت أمي أن ابدأ عملي بعد صلاة العشاء وأكون في البيت عندما تدق الحادية عشرة. لم ألتزم بهذا دائماً.. كان يجذبني الأمل المجنون ويسرق وقتي خاطرا مخادعاً بأن هناك بيت يفتش عن بعض الليم في هذه الليلة.. تمتدُ بي الدقائق حتى ربع الساعة أو نصفها، وحين اتأخر أكثر عليّ أن اتحمل عيون الناس وهي ترمقني في مشهد تأنيب أمي لي في السوق وجذبي من ذراعي. لقد عرفت وقت الذورة جيداً الساعة الحادية عشرة يشتروا الناس الليم.. كان الغبار يضايقني.. فأنفضه عن أكياس الليم المكشوفة.. ولكن الناس لم تنتبه للغبار الذي انفضه عن الليم. بعضهم كان يحمل الأكياس ويسألني عن السعر ويدفع.. البعض كان يناور معي لأتنازل عن ريال واحد.. ولكني أرفض دائما هذه المعاملة... والبعض يضحكني جداً ويجعل العملاق الذي بداخلي يغرق في ساعة من الهزء.. إنهم هؤلاء الذين يتوقفون عندي وينظرون إليّ كأني محطة انتظار يسألون ولا يعنون السؤال.. أرواحهم وافكارهم مشغولة بأشياء لا أعرفها، ولكني متيقن أنهم مترددون جداً ، في ماذا ؟. لا ادري.. لا ادري. كان أحدهم مرة يمسك بكيس من الثوم - حينما طورت بضاعتي وادخلت الثوم كما نصحني اليمني سابقا ، ويسألني عن سعره وهو لا ينظر إليّ بل ينظر إلى سيدة في السيارة التي تقف خلفي.. وفجأة ترك الكيس وانطلق يحوم هناك. الآن اصبحت أعرف بعض الذين يبتاعون الليم من عندي.. بعضهم يحتاج كل أسبوع لكيس من الليم وكل ثلاثة أسابيع لكيس من الثوم.. قلة جداً من أعرفهم.. لا عملاء لي حقيقة ولكني اعتبر هوءلا عملائي. الآن بت اكسب الكثير من المال.. وارتفعت اسهمي..  واصبحت اغامر بشراء عدد كبير من أكياس الليم والثوم .. عشرة أكياس أو أكثر مرة واحدة !. اني اشعر بالمتعة هنا.. واسلي العملاق الذي يتحرك فيّ. هذا الصيف يعني لي انني أكبر، واني في طريق النمو.. الدرس الوحيد الذي تعلمته من الحياة أنها تستمر. مهما نتوقف سوف تستمر. وحين تبدأ المدرسة اكون اكتسبت خبرة وسأحكي لحميد كل شيء.. ولن اخجل ان يقول بعض زملائي الذين رأوني هنا انني بياع الليم في الصيف.



abuiyad