قراءة في كتاب حوار مع صديقي الملحد









ما يدعو لإعادة قراءة هذا الكتاب، واستخلاص الأدلة والبراهين منه لنفهم ديننا وحياتنا ونؤكد ونعمق إيماننا أولاً ثم لنتحاور مع الملحدين هو نشهده على الساحة العربية والسعودية من موضة سافرة سافلة للتحرر من الدين وإعلان الإلحاد. شباب ليس لهم هدف في حياتهم، ولا يفهمون ما يحدث في مجتمعاتهم والعالم من حولهم ، فضلوا أن يعلنوا عن أنفسهم بتفجير هذه القنبلة الصوتية. إن الإلحاد عندهم موضة لتجاوز كافة الحدود وإبهار الناس بهذه القدرة الخارقة. المفكر الراحل مصطفى محمود دعى الملحد في هذا الكتاب بـ " صديقي" أي الإنسان ، صديق العقل ، إن كان يبحث حقاً لأسئلته أجوبة ويتمعن فيها بعقله. ولكن للملحد صفة خطيرة وهي المكابرة التي تورده مهالكه. أما الشك فهو يعصف بنا ، وقد جاء الإسلام بأجوبة شافية ومعطيات للاطمئنان حتى لا نخرج من الإيمان، الملحد في حوار مصطفى محمود هو دكتور حصل على شهادته من فرنسا، ويعتقد كل مرة وهو يرمي بمشكلة في طريق المؤلف أنه قد انتصر، فيأتي حديث المفكر العظيم برداً وسلاماً على قلوب المؤمنين، به نور ، وحديث عقل، وأدلة بحث، وتفتيش مفكر، وبه حجج دامغة وبراهين كالشمس لكل منكر جاحد ملحد سواءً كان ذلك مكابرة منه أو حقيقة تصيبه قد أخذته بعيداً في مجهول الإلحاد بالله. هذه الأسئلة التي سيُجيب عليه المؤلف بكل اقتدار :
1- من خلق الله ؟
2- لماذا لا تكون الالهة متعددة ؟
3- هل أنا مُسير أم مُخير ؟
4- لماذا خلق الله الشر ؟
5- هل يعذب من لم يصله قرآن ؟
6- كيف يعذبنا الله وهو الرحمن الرحيم بذنب محدود في الزمن بعذاب لامحدود في الابد ؟
7- ما هو الدين هذا ، أليس هو أفيون ومخدر ؟
8- ما شأن الإسلام مع المرأة ، ولماذا تحرموها من حقوقها ، وماهي حقوقها؟
9- ما الأدلة على بعث الانسان ، وأن روحه تواصل هذه الرحلة ؟
10- أين مكان الضمير في الإسلام ؟
11- أليست مناسك الحج أعمال وثنية ؟
12- لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد ؟
13- هل يتناقض القرآن مع بعضه ؟
14- لماذا يعارض الدين التطور ؟
15- ألست تبالغون في استخدام " لا إله إلا الله " ؟ وبعض حروف القرآن أليست طلاسم " كهيعص" " طسم " ألم "...؟
16- ما هو مفهوم المعجزة في الإسلام ؟

هذا تلخيص مفصل للأسئلة، والمؤلف ناقش كل سؤال في فصل وأحيانا أكثر من سؤال في فصل واحد. في هذه القراءة لن اتطرق لكل ما ورد ، فأنا أجد أن الكتابة عن هذا الكتاب بعرضه أو قراءته غير مجدية كثيرا، فالكتاب يحوي تركيبة عجيبة في شرح المسائل والرد عليها، كذلك فالكتاب يحوي أسلوب ربما اقتله بقراءتي وأسلوبي، فهذه القراءة مجرد مراجعة لما قرأته هناك، وارجوا أن تكون مشوقة ودافعة لأن تبدؤوا في قراءته وتعلمه وفهمه.

يبدأ الحوار من الصفحة الأولى، وفيها يجيب المؤلف ببساطة على سؤال الملحد : من خلق الخالق ؟، ص 7 " أنت تسلم بأن الله خالق ثم تقول من خلقه ؟! فتجعل منه خالقاً ومخلوقاً في نفس الجملة وهذا تناقض. " ثم يبين كيف أنه من الخطأ أن نخضع الخالق لقوانيننا البشرية ، ص 8 " والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان "، إن العقل البشري غير قادر على الإحاطة والإدراك بالوجود الكلي .. الوجود الإلهي كما يدرك الجزئيات كما يقول الفيلسوف " كانت"، وفي هذا الشأن  توصل أرسطو في تسلسل الأسباب إلى أن هناك سبب محرك في غير حاجة إلى من يحركه ص 9 " خالق في غير حاجة إلى خالق ". الله هو الذي يبرهن على الوجود كما يقول ابن عربي في رده على هذا السؤال، ثم استشهد المؤلف بالحديث القدسي ( انا يستدل بي .. انا لا يستدل عليّ ) . وحين يسخر الملحد بسؤال جديد ص  10 " لماذا تقولون أن الله واحد .. لماذا لا يكون الالهة متعددين " يجيب الدكتور مصطفى بمنطق عظيم، منطق الكون الواحد المخلوق من خامة واحدة وبخطة واحدة، إن أدق التفاصيل في علم التشريح توضح كم هو التشابه بين التركيب الجسدي بين الحيوانات المختلفة، ثم يقول ص 11 " ولماذا يتعدد الكامل . وهل به نقص ليحتاج إلى من يكمله. إنما يتعدد الناقصون. ولو تعدد الالهة لاختلفوا ولذهب كل إله بما خلق ولفسدت الأرض "

سؤال : إذا كان الله قدّر عليّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟.  سؤال آخر يتحجج به الملحدين وليس صديق الدكتور مصطفى فقط ، وتحته تندرج أسئلة من نوع : ص 14 : " هل خُيرت في ميلادي وجنسي وطولي وعرضي ولوني ووطني ؟ هل باختياري تشرق الشمس ويغرب القمر ؟ ..."، وللإجابة على هذه الأسئلة يجب أن نتيقن أن الله هو العليم والعالم بكل شيء ، قد علم ما كان وما يكون وما سيكون، وما نقوم به وما نفعله الآن هو باختيارنا ولا أحد يكرهنا أو يجبرنا على اختيارنا ولكن أفعالنا هي معلومةٌ مسبقاً عند الله ، فقد علمَ الله ما انويه وما سأفعله فسهل ويسر لي طريقه، قال الله تعالى ( فأما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى واما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) ، ولذا فأنت بالخيار فيما تريد أن تفعل والله يُيسر لك ما تنويه وما تريده ، وبهذا نستطيع أن نفهم : هل أنا مسير أم مخير ؟ أنت حر فيما تفعل وما تريد ، أنت مُسير لما تختار ، ولذا فيكرر المؤلف كثيراً جملة " التسيير هو عين التخيير ولا ثنائية ولا تناقض"، ويقول في كلمات عظيمة ص 19 " والقضاء والقدر لا يصح ان يُفهم ان اكراه للناس على غير طبائعهم .. وانما العكس. الله يقضي على كل انسان من جنس نيته ويشاء له من جنس مشيئته ويريد له من جنس ارادته.. تسيير الله هو عين تخيير العبد لان الله يسير كل امرئ على هوى قلبه وعلى مقتضى نياته" ، ص 20 " على العبد النية وعلى الله التمكين ". أما حديث الحرية وأنك لم تختار لونك أو جنسك ..إلخ، فإن الله خلق الانسان حراً وجعل هذا من فطرته، ولكن الله لن يحاسبك على لونك أو جنسك أو لماذا تشرق الشمس ولماذا يغرب القمر ، لقد منح الله الإنسان الحرية ليكسر القيود والاغلال ويعيش بحرية ، لدينا الحرية النسبية والحرية المطلقة ، حرية الإنسان هي حرية نسبية، يحق له الاكتشاف والاختراع ليتعايش ويزيد من مجال حريته، وكلما علِمَ أكثر كلما زاد نطاق حريته أكثر، ولذا يقول الغزالي " الانسان مخير فيما يعلم .. مسير فيما لا يعلم .."  ولكنه في مجال التكليف له حرية نسبية، هذه الحرية قد يتجاوز بها الإنسان ما ينافي الرضا الالهي ، فيعصي الله ويغضبه بأن يقتل أو يسرق أو يُجرم ولكنه لا يقدر على ان يفعل ما ينافي المشيئة الالهية، إن مشيئة الإنسان وحريته هي من مشيئة الله ( وما تشاؤون الا أن يشاء الله ) ص 18 " وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الالهية وضمنها وان خالف الرضا الإلهي وجانب الشريعة . " . على هذا المنوال وبهذه الطريقة يناقش المؤلف هذه الأسئلة التي تُحيّر العقل وتصيبه أحياناً بالجمود والصمت. إن الله الذي منحنا هذا العقل حتى نصل به إلى هذا الأسئلة جعله أيضاً الوسيلة إلى كشف أجوبته وبيانها.

سؤال عن الإنسان في أقاصي الأرض الذي لا يعرف عن الدين ولا عن الرسل شيئاً ، ولا يعلم أكثر من أن يعيش ويجد لقمته، الإنسان الذي لم يسمع برسول ولا نبي ينبأه خبر الدنيا والآخرة ، هذا الإنسان ما ذنبه حين يُعذّب يوم القيامة ؟ . هكذا يفكر الملحد، إنه تفكير ناقص ، إنه عقل لم يفتش حقا عن الله، ولم ينظر في هذه الدقة التي تزن وتحكم الأشياء من حوله. لقد جاء الدين بأحكام لأهل الفترة ، الناس بين فترات الرسل الذين لم تصلهم دعوة الرسل، فإنهم يمتحنون يوم القيامة. ويذكر المؤلف معنى جميل للوحي الذي يهدي الناس ص 30 " وقد يكون الوحي كتاباً يلقيه جبريل .. وقد يكون نورا يلقيه الله في قلب العبد.. وقد يكون إنشراحاً في الصدر .. وقد يكون حكمة وقد يكون حقيقة وقد يكون فهما وقد يكون خشوعاً ورهبة وتقوى ". وذكر عدد من قبائل البدائيين أنهم يؤمنون بإله واحد يطلقون عليه أسماء مختلفة، فهذه العقيدة تدل على أن ما جاءهم من رسالات تخرج من مشكاة واحدة خرج منها الإسلام، واستدل بقول الله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ).

ينظر العالم إلى الإسلام اليوم وكأنه دين تخلف، وأن تعاليمه تحث على ذلك ، لأننا خير دليل على ديننا، وهذه حجة يتحجج بها الملاحدة أيضاً .  وهي مردودة، فقد جاء الإسلام يشجع ويحث على العلم والتعلم وإنما تعلو الأمم على بعضها بالعلم، لقد جاء الإسلام بكل هذا، إن الله يدعونا أن ننظر كيف بدأ الخلق؟ وكيف تكوّن هذا الكون ؟ وهو الآن ما يحدث من دراسة عمر الكون والمجرات وعلم الفلك ؟ ص 52 " ونرد على القائلين بأن الدين جمود وتحجر .. بأن الإسلام لم يكن أبدا دين تجمد وتحجر وانما كان دائما وأبدا دين نظر وفكر وتطوير وتغيير بدليل آياته الصريحة  ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق ) "، إذن فالدين يحثنا على البحث والكشف والعلم لتلك الدرجة التي نعرف بها كيف بدأ الخلق، ص 53 " وليس صحيحاً ما يقال من أن تخلفنا بالدين وتقدم الغرب الالحاد.. والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا."

وعن التهم الموجهة إلى دين الإسلام ضد المرأة وأنه جاء مقيد لحركتها وحريتها، قارن المؤلف فوراً بين حال المرأة في الجاهلية قبل الإسلام وبما جاء به الإسلام من حقوق للمرأة تضعها في مكانها المناسب. أما التعدد فقد جاء به الإسلام برؤية ثاقبة لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، فقيد الرجل بأربع نساء وليس عشرة أو أكثر كما كان في الجاهلية وكما يحدث الآن في الغرب، حيث تتعدد العلاقات ولا تصمد العاقاة بزواج أو بغيره لبضعة سنوات وللرجل بخلاف زوجته حبيبات كثر. يقول المؤلف ليوضح الأساس الذي جاء به التعدد ص 58 " الإسلام جعل من التعدد اباحة معطلة وذلك بأن شرط شرطا صعب التحقيق وهو العدل بين النساء. ( وان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ).. ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) فنفى قدرة العدل حتى عن الحريص فلم يبق الا من هو أكثر من حريص كالأنبياء والأولياء ومن في دربهم ". وعن حديث البقاء في البيت، وأين هو مكان المرأة ؟ فيقول المؤلف أن الأمر في قوله تعالى ( وقرن في بيوتكن ) قد جاء لزوجات النبي باعتبارهن مثلاً أعلى، ولم يأمر الإسلام المرأة بالبقاء في البيت إذا رأت ذلك وحينها ستبتعد كثيراً عن المثل الأعلى، ص 58 " ويمكن أن نتصور حال أمة نساؤها في الشوراع والمكاتب وأطفالها في دور الحضانة والملاجئ.. أتكون أحسن حالا أو أمة النساء فيها وربات بيوت والأطفال فيها يتربون في حضانة أمهاتهم والأسرة فيها متكاملة الخدمات"، وقد سمعتُ أوبرا وينفري مرة تقول عن عمل الأم في بيتها إنه عمل بدوام كامل، لقد أخذ الغرب يستشعر أثر بقاء الأم في بيتها لحضانة وتربية أطفالها. أما عن الحجاب الذي يستر جسد المرأة عدا الوجه واليدين وعن العُري الذي تستهدف به المرأة قال المؤلف جملة منطقية جداً ص 59 " وعلى الشواطئ في الصيف حينما يتراكم اللحم العاري المباح للعيون يفقد الجسم العريان جاذبيته وطرافته وفتنته ويصبح أمرا عاديا لا يثير الفضول. ولا شك أنه من صالح المرأة أن تكون مرغوبة أكثر وألا تتحول إلى شيء عادي لا يثير."

وأجمل ما وُفق له المؤلف هو حديثه عن الروح، إنه لا يتحدث عن ذات الروح فهو يؤكد كل مرة أن الروح من أمر الله ، ولكن الحالة التي تجعلنا أرواح حية في أجسادنا لا أرواح مفارقة وأجساد بالية. هناك حالة نعيشها الآن كلنا إنها حالة الحضور ، نحن لسنا في الماضي البعيد أو القريب ولسنا في المستقبل البعيد أو القريب إننا هنا إننا الآن .. نشعر بكينونتنا.. وشخوصنا وحضورنا في هذا العالم، وحتى نشعر بهذه الطاقة من الحضور فإن علينا أن نكون متصلين بجزء ما خارج الزمان حتى ندرك حالتنا الحاضرة ، لأن وجودنا  داخل تفاعلة الزمن بتوقيت اللحظة لن يُمكّنا من إدراك ذات اللحظة التي تمرّ سريعاً، لابد أن جزء منّا يقف على عتبة منفصلة تشهد حركة الزمن، يصفها المؤلف بأنها عتبة "الخلود"، إن جزء من أرواحنا خالد الآن ، بل إن أرواحنا خالدة فهي ستواصل مسيرها بعد رحلة الفناء إلى نعيم أو عذاب. لعلّ حروفي الركيكة غير واضحة لذا سأقتبس ذات التعبير من المؤلف ص 70 -71 " لا يمكن ان تدرك الحركة وأنت تتحرك معها في نفس الفلك وانما لابد من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها .. ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في أسانسير متحرك لا تستطيع ان تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك اصبحت قطعة واحدة معه في حركته .. (.......) ونفس الحالة في القطار... إلا لحظة شعوره بالوقوف أو لحظة اطلالتك من النافذة على الرصيف ..(........) وبالمثل لا يمكن رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض. ولهذا ما كنا لنستطيع ادراك مرور الزمن لولا الجزء المُدِرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر " أي على عتبة الخلود". ولو كان ادراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً . ولانصرم ادراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئا. وهي نتيجة مذهلة تعني أن هناك جزءا من وجودنا خارجا عن اطار المرور الزمني " أي خالد " هو الذي يلاحظ الزمن من عتبة سكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم ..". أما ذات الروح وكنهها فإنها في علم الله، فهي أمرٌ لا نعلمه مهما كنّا علماء، ويوضح المؤلف عجبه من اقتران ذكر الروح في القرآن مع كلمة من أمر ربي، ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ) ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) ( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا )، كل هذه الآيات تدل على أن علم الروح من أمر الله وحده مهما تسائلنا وخمْنا .

من حسنات هذا الكتاب اني لم أعد اخاف من الموت بالمرة، الموت المصير الذي يتنظرنا لا يخيف أيها الناس، إنه أمر علينا فهمه جيداً حتى لا نخافه. هذا الموت كان الشبح الذي يُخوّف منه الناس طوال الزمان، وذلك لأن علمنا وإدراكنا للموت إدراك مشوّه بكثير من الروايات الشعبية والأخبار البشعة والموروث القصصي الخيالي وغير ذلك مما يُحبب الناس لجعله لغزاً مخيفاً علينا كلنا أن نختبره بمزيد من الرهبة والجهل، علينا أن نعيي أننا في رحلة مستمرة الموت أحد فصولها فقط ص 27 " ثم ان الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها فالموت ليس نهاية القصة ولكنه بدايتها ". الموت ليس هو النهاية كما هو منحوت رؤوسنا، إنه مرحلة واحدة نعيشها ولكننا حين الموت لا نختفي ولا نبعد ولا نكون في المجهول، إننا نموت هنا في هذا العالم ونبقى أحياء في عالم آخر ، نحن تلك الروح التي تخرج لتُكمل مشوارها. ليتفكر أحدكم ماذا يحدث له حين ينام ؟، أين يذهب وعيه .. كيف يغيب عن هذا العالم ؟. أليس النوم هو الموتة الصغرى ؟، إننا حين نموت الموتة الكبرى نبقى في وعينا الروحي فنرى ونسمع، وتبقى الروح الحقيقية التي ربينها في الدنيا، الروح التي بها الخوافي والأسرار والحقائق هي التي تتحدث وهي التي تتفاعل وحينها تظهر حقيقتنا. هذه الدنيا ليست حقيقتنا ، كلنا غير حقيقين الآن إلى حد كبير، إننا نخفي الكثير في الروح، ولذا عند مفارقتها للجسد تتحدث الروح بما في أصلها من خير أو من شرّ . يؤكد هذا المعنى المؤلف في بعض أجزاء الكتاب:  ص 70 " وما يحدث بالموت أن الطبيعة الزائلة تلتحق بالزوال والطبيعة الخالدة تلتحق بالخلود فليتحق الجسد بالتراب وتحتلق الروح بعالمها الباقي" . إنها رحلة لن تتوقف، سنغادر الجسد وسنبقى في وعاءنا الحقيقي، كما كان وعينا في بطون أمهاتنا يختلف عن وعينا في هذه الحياة ، فكذلك الوعي القادم سيكون مختلفاً، ص 71 " ويوم يسقط الجسد ترابا سوف يظل هذا الجزء على حاله حيا حياته الخاصة غير الزمنية هذا الجزء هو الروح ".

حلقة ( ماذا بعد الموت ؟ ) 1/3


بعد قراءة هذا الكتاب منذ 5 أشهر تقريبا اصبحت مراعيا جداً لضميري، أحييت هذا الكائن وأزحت عنه أطمار الغبار الذي اسكتته. إن ورقة العلكة التي يُفترض ان نرمي بها في أي مكان تعتبر قضية هامة من قضايا ضميري، إنه يصرخ فيّ الا ارمي بها إلا في مكانها المفترض. التلاعب وخداع القوانين والنظام من قضايا الضمير.. نظرتي للمساكين والمحتاجين من قضايا الضمير .. مهما كان الاخرين يخادعون القوانين والأنظمة أمامي ومهما كان الكل يصرخ بألا نعطي المحتاجين  المال وللمساعدة بحجج واهية كثيرة.. فإني لا ألتفت لكل هذا وابقى حيث يرتاح هذا الضمير. أين هذا الضمير من الإسلام ؟ ص 78 " الحقيقة أن الضمير نور وضعه الله في الفطرة ومؤشر ودليل وبوصلة نولد بها.. تهدينا الى الحقائق وكل دور الاكتساب الاجتماعي انه يجلو مرآة هذه البوصلة ويصقل زجاجها." هذا هو الضمير الذي يزرعه الله في الانسان كما في الحيوان أيضاً ، وضرب المؤلف أمثلة بالقطة تتبرز وتغطي فضلاتها بالتراب، وحين تسرق سمكة "فإذا ضبطتها وضربتها على رأسها - طأطأت ونكست بصرها"، لنقرأ هذه الأمثلة ونتفكر في هذا الضمير الذي يسكن الحيوان أيضا ص 79 " تقاليد الوفاء الزوجي عند الحمام. ونبل الحصان في ارتباطه بصاحبه حتى الموت. وكبرياء الأسد وترفعه عن الهجوم على فريسته من الخلف. وخجل الجمل وتوقفه عن مضاجعة أنثاه اذا وجد أن هناك عينا ترقبه." كيف نشأ هذا الضمير عند الحيوان ؟!. هذا الدين اعطى مكانا هاما للضمير إنه صوت الحقيقة الذي يسري فينا. ص 80 " " الحلال بين والحرام بين ".. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. " استفت قلبك وان افتاك الناس."".

في الحديث عن القرآن وإعجازه يفتح لنا المؤلف نافذة عظيمة إلى قراءة هذا الاعجاز البياني الذي في دقته وبيانه ما يُعجز بشرا مثل النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يؤلفه. لقد تحدى القرآن البشر أن يأتوا بآية من مثله ولم يبرز أحد.. إن شرط التحدي أن يكون من مثله. ذكر المؤلف عدد من الشواهد والبراهين مما تزيح فكرة أن يكون القرآن من تأليف النبي الكريم، كـ آية العتاب في سورة عبس.. وآية تصحيح تصرف النبي الكريم في بدر مع الأسرى، وبعض الشواهد الاخرى. وذكر أيضا أن ما يميز القرآن عن غيره من البيان كالشعر والنثر أن له موسيقى داخلية نشعر بها في أرواحنا ونميزها تماما، إن موسيقاه ليست خارجية كما في الشعر، واستشهد بهذه الآيات الكريمات ( والضحى والليل إذا سجى ) وقال عنها ص 89 " لا تشطير ولا تقفية في هذه العبارة البسيطة ولكن الموسيقى تقطر منها.. من أين .. انها موسيقى داخلية". ثم سرد هذه الآيات الكريمات كأمثلة على الموسيقى الداخلية: ( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ) ، ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . الا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى . الرحمن على العرش استوى ) ، ( انا ارسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم اعجاز نخل منقعر ) ، ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ). ثم قال ص 90 " هذا التلون في نحت الألفاظ وبناء العبارة وفي ايقاع الكلمات مع المعاني والمشاعر.. يبلغ ذورة.. ويأتي دائما منسابا لا تكلف فيه ولا تعمل.". إننا نقرأ القرآن في العادة دون ان نتنبه إلى ما يحتويه كل حرف فيه وكل كلمة من إعجاز ومعنى لا يقدر على فهمه إلا المتبصر والمبحر فيه، هذا الكتاب العظيم لا يزال حتى اليوم مليء بما يعجز البشر، كان إعجازه في زمن نزوله إعجازا بيانيا لقوم البيان والشعر واليوم هو إعجاز علمي وبياني لعصر العلم والتطور، سأختار مثال واحد ادهشني كثيرا، ص 92 " وفي آية قتل الأولاد من الفقر جاءت على صورتين: ( ولا تقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهم ) - الأنعام. ( ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ) -الاسراء.  والفرق بين الآيتين لم يأت اعتباطا وانما جاء لأسباب محسوبة.. فحينما يكون القتل من املاق فان معناه أن الأهل فقراء في الحاضر فيقول نحن " نرزقكم" واياهم . وحينما يكون قتل الأولاد خشية املاق فان معناه هو احتمال في المستقبل ولهذا تشير الآية إلى الأبناء فتقول نحن "نرزقهم" واياكم. ". ومن جميل اعجاز القرآن هو تأكيد لمعنى سابق ذكرته هنا، وهو علم الله السابق لكل شيء، فحين يذكر القرآن أحداث يوم القيامة تأتي على صيغة الماضي لأنها سابقة وماضية في علم الله ولكنها لا تزال لدينا نحن أمر مستقبلي سيحدث وإليكم الآيات ( ونفخ في الصور ) ، ( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ) ، ( وبرزت الجحيم للغاوين ) ، ( وعرضوا على ربك صفا )، بهذا الفهم اللطيف تعرف لماذا ترد هذه الآيات في صيغة ماض، بل انظروا إلى هذه الآية تأتي بزمانين الماضي والمستقبل ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) كيف لنا أن نفهم ألا نستعجل أمر قد أتى وحدث وكان وانتهى .. كيف ؟!، نفهم هذا جيدا حينما نعلم أن هذا الاتيان والانتهاء في علم الله السابق ولكنه لنا مستقبل سيحدث فلا نستعجله.  ما ألذ الخوض في بحر الإعجاز القرآن، إنني بقراءتي لهذه الأدلة والشواهد التي ذكرها المؤلف اصبحت اقرأ في كل آية وكل حرف إعجاز عظيم سواء عملت به أو لم أعلم. حتى تلك الحروف التي لم نعرف لها معنى كانت اعجازا مبهرا " ألم " " كهيعص " " حم " " ص" " ق" وغيرها ، أشار المؤلف إلى بعض محاولات العلماء إلى تفسير مكانها ووظفيتها في القرآن فذكر بعضا مما جاء في كتاب " معجزة القرآن" للدكتور رشاد خليفة، وكيف وجد أن هناك معدل وترتيب لهذه الحروف في كل سورة على حده وفي القرآن بشكل كامل مما يجعل تلك العمليات الحسابية لهذه الحروف معجزة ربانية، مثال واحد فقط ص 138-139 " سورة الرعد تبدأ أ ل م  ر قدم لنا العقل الالكتروني احصائية بتوارد هذه الحروف في داخل السورة كالآتي:
أ ترد 625 مرة
ل ترد 479 مرة
م ترد 260 مرة
ر ترد 137 مرة
هكذا وفي ترتيب تنزالي أ ثم ل ثم م ثم ر بنفس الترتيب الذي كتبت به أ ل م ر تنازليا ثم قام العقل الالكتروني باحصاء معدلات توارد هذه الحروف في المصحف كله.. وألقى الينا بالقنبلة الثانية.. أن أعلى المعدلات والمتوسطات لهذه الحروف هي في سورة الرعد.. وأن هذه السورة تفوقت حسابيا في هذه الحروف على جميع المصحف.".

وفي دائرة الجدل التأريخية عن بدء خلق آدم وكيف خُلق، نجد حديث هادئ ومستنبِط وقارئ وناقد لنظرية داروين الشهيرة عن التطور. إن السؤال والحجة التي يطرحها الملحد هنا هي تأكيد لمبدأ الطبيعة التي حدثت هكذا بالصدفة وأن آدم جاء نتيجة لتطور فصائل حيوانية كما يثبته التشابه الكبير في علم التشريح لأجهزة الانسان وغيره من الحيوانات الأخرى وأن القرود هي أبناء عمومة وفقا لهذا العلم. هكذا يفكر الملحد بهذه الكيفية الساذجة على الرغم من تفاصيل العلم التي تثبت أن هذه الكيفية في الخلق تدل على أن هناك خالقا مبدعا في كامل الدقة والاتقان. وفي تلخيص مبسط يوضح المؤلف كيف خُلق الإنسان وفقا لما جاء به القرآن، في البداية لم يكن الإنسان شيئا يُذكر ثم خُلق الإنسان من سلالة من طين وليس من الطين ذاته ثم جاءت أطوار خلقه ص123 " بدأت بالخلق ثم التصوير.. ثم التسوية ثم النفخ .. و "ثم" بالزمن الإلهي معناها ملايين السنين.". قال الله تعالى في سورة السجدة ( بدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة ). يرى الدكتور مصطفى محمود أن داروين أصاب حينما استطاع أن يجد التشابه العظيم بين الحيوانات في تركيبها الجسدي وهيكلها العظمي ولكنه أخطأ حينما فسّر بهذا المفهوم نظريته المشهورة التي رأى فيها ان عملية  التطور هذه تُحيل الكائن إلى كائن آخر، على الرغم من التشابه العظيم في هيكل هذه الحيوانات وكأنها خرجت من سلالة واحدة إلا هناك ما يُشير إلى أن لكل كائن بداية خاصة به قد تجعله يتطور ويتكيف بما يناسب البيئة التي يعيش فيها، فعلى مدى ملايين السنين يتطور هيكل وجسد بعض الكائنات حتى تستطيع العيش في بيئته في البحر او الغابة او الصحراء او الجبال، وبإطلاع بسيط على هذه النظرية نعي هذا جيدا ، ما لم يعه داروين أنه اعتقد ان هذا التطور يحدث ماديا تلقائيا ولم يفهم أن هناك خالق مبدع ومصور مكّن هذه الكائنات من عملية التطور هذه حتى تستطيع العيش في بيئتها، يقول الدكتور المؤلف في فكر وعلم وإيمان  ص 129 " إن البعوض تضع بيضاتها في المستنقع.. وكل بيضة تأتي إلى الوجود مزودة بكيسين للطفو. من أين تعلمت البعوضة قوانين أرشميدس لتزود بيضها بهذه الأكياس الطافية. وأشجار الصحارى تنتج بذورا مجنحة تطير مع الرياح أميالا وتنتثر في مساحات واسعة بلا حدود. من أين تعلمت أشجار الصحارى قوانين الحمل الهوائي لتصنع لنفسها هذه البذور المجنحة التي تطير مئات الأميال بحثا عن أراض ملائمة للانبات. وهذه النباتات المفترسة التي تصطنع لنفسها الفخاخ والشراك الخداعية العجيبة لتتصيد الحشرات وتهضمها وتأكلها بأي عقل استطاعت أن تصطنع تلك الحيل. نحن أمام عقل كلي يفكر ويبتكر لمخلوقاته ويبدع لها أسباب الحيل.".

أخيراً .. إن هذه الحياة تحتم علينا الا نعيش فيها عبثا فكل ما فيها يدل على أن لكل شيء هدف وغاية، ولكن الشخص الذي يعيش في أجواء تشجعه على اعتناق الإلحاد - نعم أنا اعتقد أنه اعتناق لا تحرر- عليه أن يحدد لإلحاده أسباب ثم يبحث بصدق وإخلاص متسائل  حتى يجد إجابات وحتى يكون لإلحاده معنى - وإن كان الإلحاد لا معنى له-  فالبعض يحب أن يكون ملحدا لأنه كذلك وهذا قمة العبث والفوضى، لماذا لا يبحث الحائر والمتشكك عن أجوبة ويغلف رحلته بالصمت لا أن يصرخ في الكون كله متحديا " أنا ملحد..!". إن الحرية جاءت مع الأديان السماوية التي خرجت من مشكاة واحدة ، وهذا الإسلام خاتمها هو أعظمها وأجلها وبه تلك الحرية العظيمة التي وللأسف يجهلها الكثير من المسلمين ولا يعرف معنى للإسلام سوى التشدد والتضييق على نفسه وعلى المسلمين وعلى الناس عامة، ص 53 " وليس صحيحا ما يقال أننا تخلفنا بالدين وتقدم الغرب بالإلحاد.. والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا. وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقا كان هناك تقدم وكانت هناك دولة من المحيط إلى الخليج وعلماء مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضيات وابن النفيس في التشريح وجابر بن حيان في الكيمياء.". إن العبيثة التي يتحجج بها الملحد كثيرا لا تمثل ولا تحقق أبسط حقائق وعمليات عمل جسده هذا، ولأن الإنسان كان أكثر شيء جدلا فإن الملحد إذا اقتنع بهذه الفكرة سينسف كل حجة وبينه وبرهان بأي كلام فارغ يقنع به نفسه وعقله فقط ، وهنا مثال للحوار مع الملحد الذي يفكر ولكنه لا يريد أن يفكر ص 150 " 
- صدقني أنا اشعر أحيانا بأن هناك قوة .
- قوة ..!
- نعم ثمة قوة مجهولة وراء الكون. أنا أؤمن تماما بأن هناك قوة.
- وما تصورك لهذه القوة .. أتتصورها كائنا يسمع ويرى ويعقل ويتعهد مخلوقاته بالرعاية والهداية وينزل لهم الكتب ويبعث لهم الرسل ويستجيب لصرخاتهم وتوسلاتهم.
- بصراحة أنا لا أصدق هذا الكلام ولا أتصوره وأكثر من هذا أراه ساذجاً لا يليق بهذه القوة العظيمة.
- اذن فهي قوة كهرومغنطيسية عمياء تسوق الكون في عبثية لا خلاَّق لها .. وهذه هي الصفة التي تليق بقوتك العظيمة.
- ربما.
- بئس ما تصورت الهك. خلق لك البصر فتصورته أعمى.. وخلق لك الرشد فتصورته عابثا أخرق.. والله أنك الكافر بعينه ولو أحسنت السير والسلوك مدى الدهر.. وأن أعمالك الصالحة مصيرها الاحباط يوم الحساب وأن تتبدد هباء منثورا. 
- ألا يكون هذا ظلما.
- بل هو عين العدل......" .
ويستمر هذا الحوار العظيم الذي يزيد المؤمن يقينا وإيمانا والملحد الجاحد خوفا ورهبة وخلخلة، حتى إن كفار قريش كانوا يؤمنون بالالهة ولكن كفار هذا الزمن لهم اعتقاد في غاية الغباوة. أصدقائي الملاحدة عودوا وتحسسوا النور الذي خلقه الإله في أنفسكم وتفكروا في أنفسكم وراجعوا كل تلك الأبحاث والعلوم والإجابات ستجدون ما فقدتم ، واحذروا ان تفارقوا هذه الحياة القصيرة بشرّ عمل وشر عقل فيكون مصيركم مخيف .. مصيرٌ أبديٌ مخيف. يُنهي المؤلف رحمه الله هذا الكتاب بتساؤل الملحد الأخير ص 156 -157- 158 " قال صاحبي- بعد أن أصغى باهتمام الى كل ما قلت .. وراح يتلمس الثغرة الأخيرة:
- فماذا يكون الحال لو أخسأت حساباتك وانتهيت بعد عمر طويل الى موت وتراب ليس بعده شيء؟.
- لن أكون قد خسرت شيئا فقد عشت حياتي كأعرض وأسعد وأحفل ما تكون الحياة.. ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيرا لو أصابات حساباتي وصدقت توقعاتي.. وانها لصادقة سوف تكون مفاجأتكم هائلة يا صاحبي.
ونظرت في عمق عينيه وأنا أتكلم فرأيت لأول مرة بحيرة من الرعب تنداح في كل عين ورأيت أجفانه تطرف وتختلج. كانت لحظة عابرة من الرعب.. ما لبث ان استعاد توازنه.. ولكنها كانت لحظة كافية لأدرك أنه بكل غروره وعناده ومكابرته واقف على جرف من الشك والخواء والفراغ وممسك بلا شيء.
قال لي بنبرة حاول أن يشحنها باليقين:
- سوف ترى أن التراب هو كل ما ينتظرك وينتظرنا.
- هل أنت متأكد.
وللمرة الثانية انداحت في عينيه تلك البحيرة من الرعب. قال وهو يضغط على الحروف وكأنما يخشى أن تخونه نبراته:
- نعم ..
قلت : كذبت .. فهذا أمر لا يمكن ان نتأكد منه أبدا......".




فهرس الكتاب:
























عن الكتاب
العنوان: حوار مع صديقي الملحد
المؤلف: الدكتور مصطفى محمود
الدار: دار العودة - بيروت - الطبعة الأولى 1981م






abuiyad