في سجون مصطفى أمين






مصطفى أمين





حياة حافلة عاشها مصطفى أمين . حياة عظيمة. وكانت حرب هذه الحياة ترتكز على كلمة واحدة هي الحرية. إنها حرب طويلة مقصدها تحقيق هذه الحرية كما يجب. عاش مع كل تحولات الحكم في مصر فكان أن عاش تجارب كثيرة وربما حيوات عديدة في حياته الواحدة. استخدم قلمه كسلاحه الوحيد.. بكل اقتدار وشجاعة قلّ أن توجد. كتب عن الملك فاورق وهو في ريعان شبابه ، انتقد الملك على كيفيات مختلفة. كان مصطفى يواري ويُرمّز إذا لم يسمح له الرقيب أن يكتب صراحة. ثم انتقد النحاس وكان مصطفى أمين حالم  بالديمقراطية والحرية، لقد كان زمن النحاس بالنسبة لمصطفى أمين هو زمن حرية أكثر من الأزمان القادمة والماضية ( سنة أولى سجن ص 46 " من حق النحاس عليّ أن اشيد به وأنا مسجون وأن أذكره كرجل قاد كفاح هذه الأمة (......) وكانت نهايته هي نهاية الديمقراطية." ). إنه من طلاّب الحرية، ومن يقدر على طلاّب الحرية فيمنعهم عنها ؟!، لقد كانت حديثه الدائم في السجن وقبل أن يُسجن ، سجنه عبدالناصر حقيقة لأنه كان حجر عثرة في طريق الزعامة والامبراطورية التي بات يحلم بها عبدالناصر ، سجنه لأنه كان يخبره صراحة بما يحدث ويوجه له الإنتقاد والملاحظات. لقد كان يعكّر مزاج عبدالناصر. أما في زمن السادات الذي اخرجه من السجن فقد منعه أيضاً من كتابة " فكرة" في فترة ما، حينما كان طالب الحرية هذا لا يكف عن مناجاتها بشتى الطرق. كتب مصطفى أمين حينما رشّح السادات نفسه للرئاسة للمرة الثانية ( مصطفى أمين .. ذاك المستحيل ص 42 : " انني انتخبه للمرة الثانية .. ولكنني لن انتخبه للمرة الثالثة !!").هذا الصحفي العملاق، من أهم رواد الصحافة المصرية، الذي نشأ مع توأمه علي أمين على تأسيس الصحف والمجلات بشتى أشكالها وأحجامها كان قد سُجن عشرات المرات بسبب قلمه ومقالاته، ولكنه كل مرة يعود يخوض في حلمه ، لقد أسس هو وأخوه علي أمين جريدة أخبار اليوم وكانا أول مصريين يؤسسا جريدة مصرية، كانت كل الصحف الموجودة مؤسسة بواسطة لبنانيين، ولذا فأخبار اليوم لها قيمة مميزة. وكان عبدالناصر يغيظه وهو في السجن بإزالة عبارة " أسسها مصطفى وعلي أمين " من أعلى أخبار اليوم. لقد أمم عبدالناصر كل شيء .. حتى الصحف ، وكان يريد تأميم كل شيء حتى محلات البقالة ، ردّ عليه كمال الدين حسين أحد الضباط الأحرار بقوله " في المشمش ..!". وبعد ثورة الضباط الأحرار على الملك فاروق الذي عاش حياة لاهية ومستهترة بالشعب ومقدراته، كان مصطفى أمين يعيش تلك النشوة نحو تحقيق الحرية والديمقراطية ، حرية الشعب و حرية الصحافة. ولكنه في الحقيقة كان يعيش فترات المخاض الطويلة التي لم تلد إلا جنين على وشك الموت ينعشه كل مرة بصعوبة.






مع جمال عبدالناصر سنة 1963 م





درس مصطفى أمين الماجستير في أمريكا، ثم عاد ودرّس في الجامعة الأمريكية في مصر. وكان يكتب مقال في أخبار اليوم تحت عنوان "فكرة" كان المقال بمثابة جذوة لتكوين الرأي العام  اليومي في المجتمع المصري. لقد كان مصطفى يكتب ما يعتقده بكل وضوح وصراحة. كانت علاقته ممتازة مع الضباط الأحرار ، وحين تولى عبدالناصر الرئاسة كان يتسمع لأراء ومقترحات مصطفى ويستشريه  في بعض الأمور. ولكن قبل ذلك كان الجميع في مرتبة واحدة في مكان واحد ، الكل كان يحلم بدولة ديمقراطية مصطفى وجمال وحتى أم كلثوم ( مصطفى أمين ..ذاك المستحيل ص 63 : " كان أول لقاء بين الكاتب مصطفى أمين والصاغ جمال عبدالناصر في منزل أم كلثوم في حفلة شاي اقامتها (.....) وحين استقبل إبراهيم بغدادي مصطفى أمين في منزل أم كلثوم قاده نحو منضدة يجلس عليها جمال عبدالناصر وهو يعرفه بنفسه.
- انا مصطفى أمين.
فقال عبدالناصر ضاحكاً:
- وكيف لا أعرفك وكل نقودي ضائعة على صحفك. لقد كنا نرسل أحد الجنود في الفالوجا ليخترق الحصار ويشتري لنا أخبار اليوم!. 
وتجاذبا أطراف الحديث حول الديمقراطية المفتقدة وضرورة تغيير الصورة الأوضاع خاصة بعد مأساة حرب فلسطين وإن الأمر يستتبع تغيير الصورة السياسية في مصر. "). إذن .. كان الكل حالم بالديمقراطية، ولكنها حين أتت لم تلبث حتى وُإدت في مهدها. أصاب هذا الحدث البلاد بنكسة داخلية مُربكة. كانت لعبدالناصر جبهتين ، جبهة داخلية للمحافظة على حكمه وجبهة خارجية ليتباهى بها أمام العالم كله، كان يدمر الداخل ويجمّل الخارج. عمليات التجميل تلك كانت عَجِلة وأحدثت الكثير من الأضرار. 
 وقد كلّفه عبدالناصر ببعض المهام للتواصل مع الأمريكان والتفاهم معهم. كان عبدالناصر برأيي طمّاع وشَره. كان يريد المعونة الأمريكية أن تستمر وأن يبقى موالياً للروس. لم يدرِ عبدالناصر ماذا يفعل؟ وكيف يختار؟. بدأ عبدالناصر عصر جديد يحلم فيه بالديمقراطية ولكنه أطال المكوث على الكرسي ثم سَحق هذه الكلمة بقدمه وأعلن أنه الديكتاتور الباقي. لم يسمع لأحاديث مصطفى أمين.. بل باتت انتقادات مصطفى أمين الصريحة له مزعجة ومؤذية. كانت كل "فكرة" يكتبها مصطفى أمين تمثل لعبد الناصر استهدافاً وإنتقاداً ، حتى إن إنتقاده لرئيس الكنغو اعتبره عبدالناصر نقد غير مباشر. وحين يُطلّق الرئيس الديمقراطية فإنه يطلق كل أبناءها ومحبيها. قُبض على مصطفى أمين وهو في ضيافة السفير الأمريكي. واُتهم مصطفى أمين بالخيانة، وأنه عرض على أمريكا عدم تقديم المعونة والقمح للمصر وسيركع لها عبد الناصر. وهنا اُجهض الجنين.. وعُلِقتْ الديمقراطية من قدميها. كان هذا الاعتقال ضمن حملة كبيرة لإسكات كل الأصوات -أياً كان إنتماءها أو تفكيرها- التي تثير بلبلة وتزعج الرؤوساء المشغولون بالتفكير في الحرب ورد الحرب.  وفي قاعة المحكمة كانت التُهم الموجهة إلى مصطفى أمين تثير الضحك أكثر. ( ص 127 سنة أولى سجن : "وعرفت أن الحكم صدر ضدي عندما وقف وكيل النيابة في أثناء المحاكمة يقول أنه يطالب برأسي، لأنني قلت لأمريكا سراً هاما. وأذعت سراً من أسرار الدولة العليا. وهذا الخبر أن السيد حسن ابراهيم نائب رئيس الجمهورية سوف يتزوج السيدة قدرية. وهزّ الفريق الدجوي رأسه موافقاً أن هذا خبر من صميم أسرار الدولة العليا! ". ).
 اللواء محمد فؤاد الدجوي تُحكى عنه حكاية شهيرة في حرب فلسطين واستسلامه الذليل لليهود.


وكان مصطفى أمين يصف اللواء فؤاد الدجوي بأنه كان يحصل على الأحكام جاهزة تأتيه عبر التليفون، فهو مجرد وصلة وناقل لإرادة السطلة العليا. وهذا الدجوي كأنه المنديل المتسخ الذي كان ينظف به الزعيم قذارته كل مرة، فهو ذاته الذي حكم على الكثير من جماعة الإخوان المسلمين بالسجن والإعدام ، وهو الذي حكم على سيد قطب بالإعدام بعد محاكمته.

إنني بحاجة أن استند إلى حائط من الصبر لأتنهد قليلاً. اُخذ مصطفى أمين إلى سجن المخابرات أولاً، وهي يقول في بداية مذكراته أنه سُجن في معظم السجون. وتنقل بين أكثر من اربعة سجون. كان السَجّان يستقبل ضحيته الجديدة، السجان الذي لا يستيقظ من سكرته. كيف تحولت البلاد وهي يفترض أن تتجه نحو حكم ديمقراطي إلى مرحلة سوداء قذرة في تأريخ مصر الحديث. كان للسجّان صلاحية ليعذب بشتى الأشكال بل عليه أن يبتكر ألوان وأفكار جديدة للتعذيب، وبين يدي السجان تتحول الوجوه إلى وجه واحد والأجساد إلى جسد واحد .. وجه واحد ووجسد واحد يمارس عليه شذوذه ويفرغ فيه مشاكله وهمومه، وكلما عذّب أكثر نال رضى رؤوساءه أكثر وحصل على ترقيات أكثر. لقد كانت البداية أسوء مراحل السجن لمصطفى أمين ،فقد حظيت بتعذيب مؤلم وحشي ،مورس عليه حتى يدّون اعتراف مزيف بأنه جاسوس وخائن وعميل للأمريكان وأفشى أسرار خطيرة!.  كانت السجون تستقبل أعداد هائلة من الناس ليُمارس عليها التعذيب بهذه الطريقة وبطرق مريعة أخرى. وشهد مصطفى أمين في السجن الحربي بعض عمليات التعذيب وشهد آخرون عمليات تعذيب مصطفى أمين، كان بعضهم يرى بعض وهم عرايا يُعذبون بشتى الطرق. كان بعضهم لا يدري لما قبض عليه ، ولا يدري ما هي تهمته، ربما قُبض عليه لأنه له صلة قرابة بأحد المهتمين ، ربما لأنه حجر عثرة في تحقيق مصلحة أحدهم .. ربما وربما من الأسباب التافهة الغير مبررة. كان التعذيب في سجن المخابرات على أشده ، فصلاح نصر رئيس جهاز المخابرات والذي كان له الدور الكبير في صفقة مصطفى أمين حيث لفق له تهمة وقبض عليه وعذّبه بهذه الكيفية بأوامر عالية المقام، يُعتبر هو سيد عمليات التعذيب، لقد كان صلاح نصر وحش في شكل إنسان.. كان دموي .. وحشوي .. همجي. أما الأيادي التي كان يعذّب بها صلاح نصر فهناك اسمين لا تخفى على من ذاق ذاك العذاب وشهد ذلك التاريخ وهما شمس بدران وحمزة البسيوني. وكان حمزة البسيوني هو المشرف المباشر على علميات التعذيب والشخصية الثانية الموجودة في السجن الحربي،  طاغية ومتجبر. رجل طويل القامة أبيض اللون وأبيض الشعر بشارب كثّ .. يسمونه " الوحش". لقد انتزع الله من قلبه شيء اسمه الإنسان والرحمة، كان السجن الحربي بمثابة مسلخ لإثبات التهم الملفقة، سوف يستمر التعذيب لكل واحد حتى يتعرف بكل التهم الجاهزة له أو يموت ثم يُدفن في صحراء السجن الحربي المجاورة ويُعلن في الصحف أنه هرب. محاولة الصبر والتغلب على ألم التعذيب تنتهي بالموت مُعلقاً من الأقدام أو العودة من غرفة الإعتراف إلى غرف التعذيب مرة أخرى.  إليكم بعض صور التعذيب التي كان يتفنن فيها حمزة البسيوني يحكي لنا مصطفى أمين مجمل تعذيبه ( سنة أولى سجن ص 60 " وأخذوني إلى زنزانة في سجن المخابرات. نزعوا ملابسي. أصبحت عاريا تماما وجهوا إلي مصابيح كشافة كادت تعمي عيني. وراحوا يضربونني.. وصلوبني على الحائط وثبتوا كل يد في قيد من الحديد بأعلى الجدار.. ثم راحوا يرفسونني. وتقدموا ونزعوا بأيديهم شعر العانة.. واستأنفوا الضرب والصفع والرفس بالأيدي والأقدام وبالعصي. ثم فكوا القيد من يدي. وربطوا جهازي التناسلي بسلك وجذبوني منه، وداروا بي حول الغرفة عدة مرات. وفقد بصري الرؤية. تحولت وجوه الزبانية إلى أشباح ثم سقطت مغشيا علي.  وأفاقوني، وبدأوا يضربونني من جديد، ويشدون شعر بطني وعانتي. وكان العذاب مريعا، قاسيا، ومع ذلك تحملته, ولكني لم احتمل عندما شتموا أمي وقالوا انها شرموطة عندئد بكيت". ) كل هذا يُمارس مع رجل تجاوز الخمسين من العمر ، له تأريخ وقامة أدبية وصلت إلى أعلى المستويات، مع رجل كان بالأمس يسأله الزعيم عبدالناصر ويستشيره ويأخذ برأيه. صورة أخرى عن التعذيب، ( سنة ثانية سجن ص 330 -331 : " روى لي جاري في الليمان أنور زعلوك صاحب جريدة الحقائق كيف أن زبانية صلاح نصر ضربوه بالأيدي والعصي، وداسوا عليه بالأقدام، وجردوه من ملابسه حتى أصبح عارياً تماما كما ولدته أمه، وعلقوه في كلبش من الحديد من القدمين كالذبيحة، وتركوه بلا أكل ولا شرب، وأدخلوا آله حادة في شرجه، وبدأوا ينفخون بطنه، وهو يتلوى من الألم والعذاب، وأغمي عليه، وأفاق فوجد نفسه في بركة من الدماء، ثام قاموا بخلع أظافر أصابعه، وهددوه بإحضار زوجته وأخواته وبناته".) لقد قرأت في هذه الصفحات من ألوان التعذيب ما يجعل من هؤلاء زبانية غلاظ فقدوا نهائياً شعاع الإنسان الممكن في نفوسهم لقد تحولوا إلى حجارة صلدة، نُزعت منهم إنسانيتهم أو كأنهم غير الإنسان كأنهم مخلوقات مختلفة جلبها صلاح نصر ليظفر برضى القادة ويحظى بالجاه والمال. ( سنة ثالثة سجن ص 147: " وروى لي الدكتور حلمي عفيفي أنهم أرغموه في السجن الحربي على أن يأكل لحم قدمه الذي نهشوه بالسياط؛ وخلع حذاءه فرأيت آثار التعذيب البشع".) صورة أخيرة وكانت تُمارس مع الإخوان المسلمين بشكل خاص،  ( سنة ثانية سجن ص 47 -48 : " وكان المسجونون مربوطين في جنازير من الحديد. وبعد ذلك فك الجنازير نقلوا في دفعات إلى الطابق الثاني، (.....) وعاش الاخوان ثلاثة شهور فيما يسمونه " التكديرة". وعملية التكدير هذه مزيج من ضرب السياط والتعذيب والحرمان من البطاطين والأبراش، ومنع المصاحف، ومنع زيارات أهالي المسجونين، ومنع ارسال خطابات لأسرهم أو تلقي خطابات....".).



وبعد توتر العلاقة بين عبدالحكيم عامر وعبدالناصر واغتيال أو انتحار عبدالحكيم ، وجدت ديكتاتورية جمال فرصتها لخلق كذبة المؤامرة التي كان الهدف منها اغتياله، وجعلتها مطية لإبادة كل ما يمت للمشير بصلة، فسُجن صلاح نصر وشمس بدران وحمزة البسيوني، وقدموا لمحاكمات علنية بتهم التعذيب. أصبح السّجان المقرب مسجوناً ، بات يُمارس عليه تعليمات السجن التي سنّها. تلك التعليمات المُجحفة. حُكمَ على صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات 15 سنة سجن بتهم التعذيب وحُكم عليه 25 سنة بتهمة مؤامرة المشير عبدالحكيم. في شريعة الغاب لا أحد يأمن في مقعده. الدماء التي اريقت لإرضاء عبدالناصر وتأكيد الولاء له لم تشفع لصلاح نصر وغيره من السجانين. كان على عبدالناصر أن يمحي أي أثر للمشير حتى يحصل على أمان أكثر.



صلاح نصر



وبعد القبض على الجلادين وموت عبدالحكيم عامر، هل انتهى التعذيب في السجن الحربي. هذه التُهم الموجة إلى هؤلاء اللاانسانين وكأنها تلويحة توحي بإنتهاء الظلم ، وأن كل ما حدث  كان في غطاء ومعزل عن الزعيم عبدالناصر وإنما كان يمارسه المشير ومن حوله من ضباط المخابرات على رأسهم صلاح نصر؟. في الحقيقة لا.. لم يتوقف التعذيب.. اُستبدل الجلادين بآخرين أشد فتكاً ودموية.. وبقيت غرف التعذيب ترسل آهاتها المؤلمة الخاضعة المستجيرة. من كان يعذب إذن ؟!. ( سنة ثالثة سجن ص 78 : " والمقصود أن يتحمل عبدالحكيم عامر وشلته وزر الكبت وكل المساوئ التي يشكو منها الشعب. ان المشير في القبر وصلاح نصر في السجن وشمس بدران في السجن وحمزة البسيوني في السجن ، ومع ذلك تجيء لي الاخبار من السجن الحربي أن التعذيب لا يزال مستمرا. ولا أتصور أن المشير أصدر قراراً من قبره بتعذيب أصدقائه الضباط الذين اتهموا في مؤامرته". ).

صلاح نصر جلاد الأمس
 يتشاور مع محاميه
في محكمة عبد الناصر الجديدة.








مصطفى وعلي أمين قبل سنوات السجن.



حياة ممتلئة بالألم تلك التي تتجرع كل هذا العذاب والإهانة. ما بين المشاركة في صنع القرار وحياة علية القوم إلى عُتَم وعرصات السجون الباردة تتجدد حياة مصطفى أمين. الشيء الغريب أن هذا الرجل عاش يقتات كل يوم بالأمل. من يقرأ رسائله المهربة يعلم هذا جيداً، رسائله المهربة على الرغم من التشديد والتنكيل وحملات التفتيش المفاجأة إلا انه استطاع تهريب 10 آلاف خطاب إلى خارج السجن على مدار تسع سنوات.  كيف فعل هذا؟.في مقدمة كاتبه سنة ثانية سجن يقول " وهكذا استطعت خلال هذه السنوات التسع أن أكتب عشرة آلاف رسالة ، وست قصص، وكتابين سياسيين ثم يبقى السؤال.. كيف كانت هذه الرسائل تتسلل إلى خارج السجن ؟". كل مرة ينتقل فيها إلى سجن جديد يحتاج إلى بصيرة حتى يعرف جيداً من يخبأ عنده القلم والورقة من المساجين العاديين. وكان في العادة يخبأها عند سجين لا يقرأ ولا يكتب.في إحدى الرسائل تحت عنوان ( المخبأ ..! ). كتب مصطفى أمين أين يخبأ خطاباته أوقات التفتيش. لقد صرّح في هذا الخطاب بأسماء المسجونين الذين يخبأ عندهم الخطابات. لا .. وكشف عن المخبأ الخطير الذي لا يمكن أن يفتش فيه أحد وحتى إن فُتشت جميع الزنازين وجميع المسجونين؛ إنها غرفة مأمور السجن في أحد ادراج مكتبه، إنها سجائر " البلومونت ".. تفعل الكثير. كالحر وإن كان مسجوناً ، كانت القلوب تزوده  بالحب ،والأفواه تناوله شهادات البراءة ،والمساجين يتنبأون بأن كل حركة غريبة في السجن تعني إفراج عن مصطفى ولكن الأوامر تصل كل يوم من وزير الداخلية شعرواي جمعة بالتضييق على المساجين السياسيين. وهذه حروف الأمل: ( سنة أولى سجن ص 122 : " انني لم أيأس أبدا. ولن أيأس أبداً مهما حدث. أنا لا اضيق بهذا السجن الذي أنا فيه. ان روحي لم يستطع أحد أن يسجنها حتى الآن. لا يوجد قفص يكفيها. ولا زنزانة. ان روحي لا تزال كما تعهدها، بل اؤكد لك أن روحي أصبحت أكثر انطلاقاً داخل السجن مما كنت خارج السجن. انها لا تخاف شيئاً. انها لا تتلفت حولها، ولا تتلفت وراءها".). بياع الأمل والتفائل هذا الرجل العجيب. لم تقيده القيود وأوامر التنكيل والإهانة ، بل لم يكن يحتج على شيء أبداً، وبعد ثلاث سنوات كان تفائله قد اثمر واينع .. شيء غريب أن تُسجن ظلماً وأنت تعلم أن البلد تعيش حالة فوضى.. تعلم هذا جيداً.. وتسمع أخبار الإعتقالات التي لا تتوقف وتطول الجميع وأنباء الإعدامات .. ولكنك تتكبر بهذا التفاءل. تلك الرسائل والخطابات التي كان يوجهها إلى زوجته وإلى أخيه علي أمين في لندن، كانت تحكي حاله في السجن ومعايشته اليومية،لقد عشت معه هناك في سجن المخابرات والحربي وليمان طره.. رأيت معه كيف أن السيجارة هي عملة السجن الوحيدة والأعظم أثراً .. تستطيع أن تشري بها الطعام من خارج السجن وتستطيع أن تحصل على وجبة فول نظيفة وخالية من التراب وبها تستطيع أن تحقق الخدمات البسيطة والعظيمة، إن كل سجّان وحتى أي مسجون يخدم في السجن يحتاج إلى علبة سجائر " البلومونت " حتى يقدم لك ما تحتاج. بدونها سوف تتعفن في مكانك.  يبدأ مصطفى أمين خطاباته وينهيها بعبارة " أضمك إلى صدري .. وأقلبك قبلة طويلة ". إنه متدفق بالحب. مرات عديدة يتيقن أن ليس مسجون بل هو يعيش فترة الإجازة التي كان يريدها من قبل ليرتاح من العمل في الأخبار اليوم. يرى بعينه أنه ليس مسجوناً بل هو يشفق على من يحبوه  فهم المسجونون. تعجبت جداً من مناجاته لأخيه علي وكيف كأنه يسير معه في شوارع لندن ويقرأ معه ذات الصحيفة وذات الكتاب ويسمع صوته وهو في قابع في زنزانته. وأيضاً كانت تصله بالمثل الخطابات المهربة من أخيه علي أمين وسعيد فريحة الذي كان حلقة وصل مهمة بينه وبين أخيه. تلامذته أيضاً كانوا يبعثون له بالأخبار المهمة الخافية، أخبار  البلد والأسرار المتناقلة التي تحكي حال القادة  والناس والاعتقالات . كل هذا جعل مصطفى أمين لا يشعر بسجنه. ولكن هذه الثقة وهذا الإيمان والتفاؤل شيء لم افهمه. فالمستقبل لا يزهر بشيء ولا يبشر بشيء .. ومصطفى يعلم هذا جيداً.. فكل مرة يزداد عدد المسجونين السياسيين وعدد القضايا والتهم الملفقة. ومع كل ذاك الظم فهو لا ينسى أن يعفو عن من ظلمه وأساء إليه ( سنة أولى سجن ص 82 : " ولم استطع في وسط هذه المحنة أن احقد على الذين ظلموني أو اكرههم أو افكر في الانتقام منه. أقسم لك انني لم افكر في هذا أبدا. ولم يخطر شيء منه في بالي. انني اطلب إلى الله أن يغفر لهم. ولا أطلب من الله أن يعاقبهم على ظلمهم كما ظلموني". ). يشهد التاريخ بأن حمزة البسيوني مدير عمليات التعذيب في سجن المخابرات اُفرجَ عنه بعد محاكمته وسجنه وبعد أن كاد يفصح عن أسماء أكثر ثقلاً  ووزناً في الدولة ، ففي محاكمته كان ينسب كل عملية تعذيب إلى شخصية اصدرت له أمر التعذيب، يشهد التأريخ بأنه مات يوم عيد الفطر مع شقيقه، ميتة أليمة حيث اصطدمت سيارته بشاحنة نقل تنقل أسياخ الحديد فمزقته واخترقت جسده وعنقه ومات شر ميتة.







حسن الهضيبي



مريض السكر والنقرس هذا. طويل القامة،والذي لا يحب أن يشرب الماء إلا أن يكون مثلجاً وبارداً ثم اعتاد أن يشربه فاتراً. هذا المريض المسجون لم يمت داخل السجن، ولم ينس أنه صحفي وقد توفرت لديه الفرصة الكاملة ليمارس عمله عن قرب ويتحرى كيفما أراد. في كتابه سنة ثانية سجن وفي إحدى الخطابات كتب تحقيقاً عن ملابسات علاقة رئيس جهاز المخابرات صلاح نصر بالسموم التي طُلبت من الخارج ، والتي كان الجهاز يستخدمها في عملياته الخاصة. في هذا التحقيق الذي يكتبه مصطفى أمين من داخل السجن يشرح لنا بالتفصيل ماذا حدث ؟.كان حسّه الصحفي ينبأه بكثير من التغيرات . إنه لا يتوقف عن الكتابة والتحري والتحقيق ..  الكتابة كانت له الحياة في السجن كما يقول. ختم إحدى خطاباته بقوله " أريد أن أموت والقلم بيدي ." . قصة تحري أخرى بحث عنها داخل السجن وهي مذبحة سجن طرة الشهيرة للإخوان المسلمين، هذه الفظاعة التي شهدها هذا السجن عام 1957 وحينما كان مصطفى أمين على مكتبه في الأخبار اليوم ، ولا أحد يعلم عما حدث حقيقة في السجون من فظاعات، كانت السجون تحتضن المذابح والفظاعات في جوٍ من الصمت ودون أن يسمع عنها أحد وخاصة أولئك الذين يهللون بإسم زعيم الأمة وامبراطورها الأوحد. فبعد توتر العلاقة بين السجن والمسجونين الإخوان وتسرب أخبار عن مذبحة تعد لها الدولة للإخوان في الجبل ، امتنع الإخوان عن الخروج للجبل فحضر الجيش بكتيبة إلى السجن ،فَتح الجنود النار داخل السجن على الإخوان المسلمين قُتل الإخوان حيث تم تجميعهم في الطابق الثالث، ثم اطلق الرصاص على البقية في زنازينهم، اُطلق الرصاص من خلال القضبان وكأن العملية هي إبادة وتصفية. يذكر مصطفى أمين في تحقيقه هذا أسماء المقتلوين ووظائفهم ومدنهم التي أتوا منها. وأشار مصطفى أمين عدة مرات في مذكراته إلى المرشد العام للإخوان حينها الأستاذ حسن الهضيبي، فقد كان جاره في الطابق الرابع بعد أن حُول إلى مستشفى سياسي، هذا البلاء الذي قاساه مصطفى أمين كان في سيل هائج مما يعانيه الإخوان المسلمين والشيوعين وغيرهم، فكان البلاء ينزل بهم جميعاً ، وقد عايش حسن الهضيبي هذا المعاناة والمصائب بروح صابرة مؤمنة كما يصفه مصطفى أمين ( سنة ثانية سجن ص 267 : " بهرني هذا الرجل بصموده وايمانه وصبره. انه أقوى من السلاسل والقيود . أصلب من قضبان الحديد في زنزانته. لم يفقد أبداً ابتسامته. ولا نظرة السخرية بكل الطغيان الذي يراه حوله. ولا يسمحون له أن يذهب إلى الطبيب رغم أمراضه المتعددة. ولا يسمحون له أن يجيء بطبيب على حسابه ") . وكتب مصطفى أمين يصف بعض معاناة الهضيبي في ذات الصفحة " عمره حوالي 75 سنة. انه صرفوا له بذلة سجن بيضاء حقيرة. منعو عنه أدويته التي يعالج بها. مضى عليه عامان كاملان لم يسمح خلالهما لزوجته أو أولاده بزياته. مضى عليه عامان ممنوع أن يكتب لأسرته خطابا أو يتلقى منها خطابا.". هذا الهضيبي كان في فترة ما موجّه للضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبدالناصر حينما كانوا في الاخوان المسلمين وانطلقوا من هناك. إنهم جميعاً يقاسون بسبب صدقهم وإيمانهم وحبهم لوطنهم.




صورة تجمع مصطفى أمين بأم كلثوم وحليم




كان لمصطفى أمين علاقات ممتازة في الوسط الفني. اعتبره عبدالحليم حافظ الموجه والمرشد له والصديق المقرب أيضاً، ألف مصطفى أمين الفيلم المشهور " معبودة الجماهير" مثّله عبدالحليم وشادية ، وعُرض الفيلم فترة اعتقاله، ظهر الإعلان دون اسم مؤلف الفيلم ، قال مصطفى أمين معلقاً : لقد جعلوه أكبر دعاية لي حينما ازالو اسمي. وكذلك كان له علاقة ممتازة بأم كلثوم قبل السجن وأثناءه وقد تعاطفته معه كثيراً ، أوصلت له مرة رسالة سرية تظهر مساندتها له، ومرة بعثت له بملبغ حينما عرفت بحاجته له، لقد كان ينصت لصوت أم كلثوم في إذاعة السجن فيتذكر تلك الليالي التي كان يقيضها معها في اختيار الأبيات التي تغنيها ويساهم في تلك العملية بحب. بينما كان موقف محمد عبدالوهاب سلبياً، يصف مصطفى أمين عبدالوهاب بأنه مشهور بالخوف وأنه يسلك الجانب الأكثر آمناً دائماً. و اُتهم مصطفى أمين بعلاقاته المتعددة مع كثير من الفنانات ، وخرجت الكثير من الأخبار على صفحات الصحف عن مثل هذه الأخبار ، ولكنه ينفيها ويؤكد أنها مجرد إشاعات ، وأحاديث للإثارة فقط، تعرض في خطاباته للعديد من هذه الأخبار.



التوأم بعد الخروج من السجن

وبعد أن رحل عبدالناصر،بهزائمه وانتصرت مصر في 73 ، افرج السادات عن الكثير من المساجين والمظاليم من بينهم مصطفى أمين، فعاد أمين إلى يفتش عن الحرية من جديد، ولا زال يعترضه في طريقه كثير من العوائق فيحاول أن يتجاوزها بقلمه. عاد الأخ التوأم من لندن ، وكان للظلم نهاية وللفجر مجيء.




عبدالناصر
الذين صافحهم وسجنهم
عبدالناصر يصافح الهضيبي

عبدالناصر يصافح شمس بدران



الكتب :

سنة أولى سجن - مصطفى أمين : 300
سنة ثانية سجن - مصطفى أمين : 356
سنة ثالثة سجن - مصطفى أمين : 207
مصطفى أمين .. ذاك المستحيل - محمود فوزي : 189 



abuiyad