قراءة في رواية ( جروح الذاكرة )






العودة إلى الذكرى التي تحتضننا. وما يعيش في تفاصليها من تفاعلات تلازمنا. تلك الذكرى ذاتها أليست عمل فعلناه في طفولتنا دون أن تستوي وتنضج مجرة عقولنا. وحتى اليوم ألسنا نرتكب الحماقات في حالة من الوعي واللاوعي لم ننضج بإرتكابها بعد. هل نحن حبيسي أفعالنا وذكرانا القديمة تلك. كان هذا العمل يدور كثيراً حول هذا النقطة. ويجعلها البئر الذي تستقي الحبكة منها ارتوائها. وكعادة الحمد يترك لذة خاطفة في اختيار زمن الحكاية فهو يتراجع إلى أحداث حرب الخليج.. ثم يتأخر ثم يتقدم.. هذه الحفلة الزمنية المدورة كانت السبب في نجاح هذا العمل. يعيش الكاتب هذه المرة في حياة سيدة " لطيفة" ، تستذكر حياتها من القرية إلى الزواج حتى المدينة .. ولكن هذا الاستذكار أكثر عمقاً.. أحدُ جرحاً.. يقوم الحمد بسرد تلك الخواطر والأفكار والأحداث الجنسية التي كانت تراود "لطيفة" .. وتعيش فيها. لقد كنتُ في الفصل الأول أعتقد أن الحمد يجامع الرواية فعلاً!. وكنتُ في لحظة افضل عدم الاستمرار في القراءة ،ولكنه كان صادقاً على الرغم من إعتماده النظر إلى الجنس كتفسير لمعظم الوقائع والزج به في كافة الأحداث . الحديث عن الجنس محبب للشيطان الذي يسكننا ، إننا نشعر بمتعة خافية أن يتحدث أحدهم علناً عن خواطر غريبة ومناظر وأشياء عرفنا عنها أو مارسنها أو سمعنا عنها. حقاً هذا لا يحقق أهداف الأدب العظيمة والأساسية.. ولكنه أكثر ملامسة وعمقاً وهذا يكفي. إن كتابة الرجل عن فكر المرأة الجنسي وتضمينه عمل روائي أمر في غاية الخطورة إلم يكن مبني على الفشل منذ البداية ما لم تتم معالجته معالجة متكاملة تتوزاى مع اللغة المستخدمة والأفكار المناقشة وإبقاء القارئ ضمن الحبكة السردية. 

لماذا اكتب عن هذه الرواية؟ وقد نظر إليها الكثير على أنها مسفة وساقطة ومكانها "الزبالة" ولما احتوته من حديث طويل عن الجنس. ما هو في نظرننا ؟؟ كيف هو الجنس في العالم؟ وكيف هو الجنس في السعودية ؟ إنه تلك الحكاية المغيبة .. الجانب الغيبي المظلم الذي يتنقل من جيل إلى آخر بكيفيات مختلفة ويحدث في ظل منظومة الدين والأخلاق والعادات والتقاليد الصحيح منها والمزيف بعض الصِدام والتشابك والتقاطع.. هذا بالفعل ما حدث لـ " لطيفة ". يبتدئ الحمد الرواية بمشهد سيدة خمسينية تستيقظ من نومها .. ثم تجترها أفكار وحياتها في القرية وانتقالها إلى الرياض ثم علاقتها من زوجها " صالح " وأبنائها وبناتها.. في المنتصف تتجلى قصة المصح النفسي في بيروت ومحاولات شفائها من الحالة النفسية الغريبة التي كانت فيها.. حتى يقارب العمل على النهاية .. تعود بعد ذلك لإكمال القصة التي بدأت أول الرواية. 

على الرغم من بشاعة العمل إلا إنه جميل برأيي. فهذه الأعمال حقاً هي تلامس جروحنا التي لم تندمل. وبقيت دهراً لا نكاد نقترب منها بل إنها تعشعش في عقلنا اللاواعي لتأثر على حياتنا بأساليب قد لا نفطن لها. ولذا نحن نخرج من خلال هذه الأعمال بفكرة واحدة أن علينا أن نعيش في حالة صحية من فهمنا للجنس والتعاطي معه.. ثم علينا أن نربي الجيل القادم على الحرص أن يكون في المستوى المطلوب في فهمه للجنس وماهيته. إن المرض النفسي الذي يصاحب " لطفية " طوال العمل حتى آخر صفحة فيه يُعيده الحمد إلى تلك الممارسات الخاطئة في قريتها بشأن الجنس.. إلى تلك العادات التي اجبرتها أن تتزوج "صالحاً" وهو يكبرها بـ 15 عاماً بينما كانت تحب "فالحاً ". أجمل ما في البنية السردية البسيطة في هذا العمل هو أننا نعيش أولاً في عقل السيدة " لطيفة " حتى كأننا ننام فيه ونستغرق في أدق حالاته .. ثم بعد صفحات طويلة نخرج في لاشعور إلى أن نكون الكميرا السرية التي تراقب مرضها النفسي وما يدور حولها. هذا التنوع خلق إبداعاً لامنظور ولا يشعر به القارئ كثيراً بسبب تلك الإنسايبة في ذاك الانتقال. 

لم يخشى الحمد أن يقوم بإستعراض ثقافته الموسوعية في الفلسفة والشعر والغناء والموسيقى والبلدان وغيرها في بنية العمل سواءً ضمن نصوص الحوار أو السرد.. على الرغم أني وجدت في بعض الأحيين خروج غير مألوف عن صورة الشخوص التي قدم لها مُسبقاً، كان مثل هذا الخروج بحاجة لمراجعة أكثر دقة .. حتى يُكسب الشخص موضوعية مقنعة أكثر للقارئ، وحتى لا يقرأ أحدنا أفكار أحد الشخوص وكأنه يقرأ أفكار تركي الحمد مجردة وثفافته أو كأنه يقرأ مقال موقع بإسمه. أخيراً ؛ استعمل الحمد تقنية أو كيفية لإنهاء العمل حيث الخاتمة هي البداية - وعلى الرغم من تكرارها في عمل سابق له " العدامة " أحد أجزاء الثلاثية، إلا أنه استعمل هذه التقنية بذكاء وظفه لبقاء النص والحكاية دائرة ومستمرة .. وجعْل الخاتمة بهذه الطريقة يشكل تسامحاً خفياً مع القارئ.. لا ادري حقاً  كيف وما هو هذا التسامح.. ولكن وكأنها مصافحة عذبة للعمل.

*  بعض الاقتباسات :

-  المذكرات اليومية :
" المذكرات اليومية هي أفضل علاج لانفعالات النفس وحتى قاذوراتها المترسبة والمتعفنة " ص 57.

- عن القرية التي انتقلت معنا:
 " نعم.. لم نعد نعيش في القرية، بل لم تعد القرية كلها موجودة، ولكن القرية لا تريد ، تتركنا ، وأسوء ما في القرية لازال يعيش في أعماقنا ، ويحكم تصرفاتنا، رغم كل ما تغير ويتغير " ص 82.

- الرجال :
" قاتل الله الرجال، فهم من حكم على المرأة باليأس في سن الأربعين، وعلى أنفسهم بالفتوة والنضج في السن ذاتها، كي يجدوا مبرراً للاتصال بامرأة أخرى أصغر سناً " 89.
- " نعم فالرجال عديمو الخاتمة ولا أمان لهم ، فهم يصنعون كل شيء، ويفعلون كل شيء، ومع ذلك يلومون المرأة على كل شرور الدنيا " ص90.

- الزواج :
" الزواج واحد في كل مكان وكل زمان : ذكر وأنثى يرغبان في بعضهما بعضاً، ويعلنان ذلك على الملأ، أما الترتيبات فهي اجتماعية محضة .." ص 232.

-العادة السرية: " كما أنك كنت طوال الوقت تحملين احتقاراً مكبوتاً في داخلك لذاتك. احتقاراً مصدره ممارستك للعادة السرية" ص 234.

- لوم أنفسنا على خراب المجتمع:
" نحن لم نصنع العالم الذي وجدنا فيه، بل خرجنا إلى الوجود ووجدناه بشكله الذي فرض نفسه علينا .. نعم قد نحاول تغييره وفق مرئياتنا ( ....) ولكن إذا فشلنا يجب أن لا نلقي اللوم الكامل على ذواتنا " ص 235.






عن الكتاب

عنوان الرواية : جروح الذاكرة.
الكاتب : تركي الحمد. 
الدار : دار الساقي.
عدد الصفحات : 286.

abuiyad