الكوني في ذمة الفلسفة !































في محاولة استكشافية لكاتب وروائي عربي عظيم. غير معروف في العالم العربي كما هو معروف في أوروبا وغيرها. ابتعت له ثلاثة كتب . " من أنت أيها الملاك ؟ ": رواية . " قابيل.. أين أخوك هابيل ؟ ": رواية. " الصحف الأولى ": أساطير ومتون . لعل بعضكم عرفه الآن. إنه إبراهيم الكوني. الرجل الليبي الذي عاش زمناً بين أهله الطوارق ، ومنهم وعليهم يقوم هيكل فكره الروائي القائم على الصحراء في أبعادها المختلفة. قضية هذا الرجل هي الصحراء في المقام الأول حيث يمكن أن تُدرج جميع أفكاره تحت هذه المظلة الكبيرة. الكوني ليس مجرد قاص يمسك بالقلم ويتخيل مشهد غروب أو شروق أو حكاية ألم أو معاناة ثم يصفها. لا، إنه يتجاوز كل فكرة إلى ما وراءها. لديه النزعة الميتافيزيقية في غصة قلمه. إنه يعيش في عدة أزمان وعدة أماكن وعدة حيوات وعدة لغات وعدة ثقافات وعدة أديان. يخلق في العمل بُعد تنويري وفلسفي ليضع لكل حدث وفكرة وإشارة تحليل فلسفي يعتمد الحكمة والتنوير والبحث عن حقائق الأشياء إلى أبعد نقطة ممكنة. ولذا فإنه يصبح من الصعب أحيانا القراءة له وهو يلتزم بهذه الكيفية. وجدت نفسي هكذا أقول في منتصف " قابيل.. أين أخوك هابيل؟ "، ربما يكون هذا الزخم الفلسفي غير محتمل للقارئ  العادي الذي لم يعرف فلسفة القدماء والحياة البدئية، ولكني أرى أن الحبكة والمشكلة عند الكوني هي الفلسفة، وأعني بالفلسفة هنا في إطارها العلمي في إطار الشك والبحث والسؤال  ليست فلسفة العوام والتخمين.  السؤال أيضاً هو مساحة كبيرة جداً يخوض الكوني فيها. انظر إلى عنواني الروايتين كلاهما أسئلة، وهو أيضاً أداة سردية متكررة في أعماله يتخذها بشكل غالب في استرسال حوارات الشخوص داخل النص، وهذا ملاحظ بشكل واضح. وجود السؤال دليل على الروح الفلسفية التي تسكن هذا الرجل.


في " أين أنت أيها الملاك ؟ " وهي من اواخر أعماله. تحضر الصحراء في بعدها الآمن الخيري في مقابلة مع المدينة التي حرمت ابن "مسي" بطل الرواية من اسمه ثم حرمت " مسي" ذاته من اسمه ص 84 " للصحراء دين، وللمدن دين آخر يختلف تماما ! " وفي "الصحف الأولى" يقول ص 141 " المدينة صنيعة صحراء، ولكن الصحراء ليست صنيعة مدينة ."  هناك سقف غير مرئي في هذا العمل للمتأملين في حقيقة ما يريد الكوني الحديث عنه. هذه الرواية تتحدث عن معاناة "مسي" ابن الصحراء لسنوات طويلة في دائرة السجل المدني ليتحصل على وثيقة للإسم الغريب الذي اختاره لابنه " يوجرتن". تلك المماطلة الطويلة من موظفي السجل ثم اكتشاف أن للدائرة دور خفي في إحياء الناس بمنحهم أسماء وإماتة أخرين بمنعهم من أسمائهم في جو من القداسة على المنح والحظر يوحي بأن هناك قائمة مُنزلة لا يمكن الحيد عنها ، وأن للدائرة دور إحياء الناس وإماتتهم في هذه الدنيا هي سباحة لتفتيت عصب الفكر المدني والشؤم العالق في المدينة . شهادة الميلاد وشهادة الوفاة إنها هنا في بعد آخر غير بعد الأوراق وما تحمله من رموز خطية يعبر عنها بأسماء ص 27 " إن الشقوة تبدأ بشهادة الميلاد ولكن الخلاص في شهادة الوفاة". بعض ما سنراه من جُمل قد نضعه في خانة التجاوز والتطاول ولكنه بالنسبة للكوني تلك المساحة الممتدة التي يكفلها له العقل بالسؤال والتشكيك . تقوم هذه الرواية على قضية أساسية اخرى وهي قضية الأبناء والخليفة، خليفة الأرض. يتضح أن رؤية الكوني للأبناء أنهم أكذوبة يجب أن تُنحر كما في الختام. اضطرار "مسي" للعودة للصحراء ليكشف كنوزها لشركات النفط يجعله هذا يشعر بأنه ينهب أمه ووطنه القديم الأصيل ، الذي تعهد لـ "يوجرتن" أنهما سيعودان للعيش فيه من جديد ، فهو الوطن والموطن الأصلي لهما.


الإنسان واحد والدين واحد والوطن واحد، هذا ربما يلخص  جزء كبير من فكر الكوني. ستستمع له  في لقاءه في برنامج " زيارة خاصة" على قناة الجزيرة يفسر هذا الفكرة. إن قضيته هو قراءة الكون والوجود والحقيقة والانسان والتوابع من جديد، ولذا فأول هذا الطريق هو التعرف على الإنسان القديم وعلى لغته البدئية، وهذا ما خاض فيه طويلاً واصدر موسوعة البيان " بيان في لغة اللاهوت" في 7 أجزاء كان قلب الموسوعة هو ربط لغة الانسان القديم ممثلة في سكان الصحراء " الطوارق" واللغة المصرية القديمة وغيرها باللغات الاخرى كاللاتينية والانجليزية والعربية وغيرها والبحث في اشتقاقات الكلمات وأصولها. وهذا كنز لم يُقدر ثمنه حتى اليوم في العالم العربي. سأضرب مثالاً لتتضح هذه النقطة، في الصحف الأولى يقول عن تأريخ كلمة "مصر" واشتقاقاتها في اللغات ص 54 :
" 1- فمصرايم ، كما ترد في أسفار العهد القديم، أو مصر كما ترد في آيات القرآن الكريم، ما هي إلا " مزر" التي تعني في لغة البدايات " الرائدة " أو " السابقة" أو " الأصل".
2- و " تانكمت" أو " كَمَت" إنما تعني بلغة البدايات " اللقية"، أو " الكنز"، أو " اللغز" إيماءً لحقيقتها البدْئية. وهي بُنية لغوية قد تعني أيضاً " سرّ الطبيعة".
3- و " يويوي" إنما تعني " المترامية" أو " الشاسعة" أو " السائدة" ( سيادة الروح على الجسد لا العكس).
4- ثم " إجبت" الدالة في لسان القدماء على : " القطْع" أو " البتْر" ، تيمناً بالمكان الذي قصّت فيه إيزيس شعرها حزنا على حميمها أوزوريس ( حسب رواية بلوتارخ للأسطورة).  "
إن القراءة لإبراهيم الكوني لا تستجلب الشعور بدقة التركيب ولا الصورة والخيال بدقة الوصف وصب الكلمة في موقعها المناسب فقط، لا، القراءة للكوني هي إضافة أكثر عمقاً في مخاطبة الإنسان لروحه، محاولة استشراف فكره عما غاب عنه من الحقيقة التي تخفيها الأشياء. القراءة للكوني تتخذ طريقاً عسيراً ليتذوق الانسان لذة إعمال أداة العقل في التأمل والبحث عن المستور. إن فعل القراءة والكتابة عند الكوني هي عملية تبادلية بين الكشف والحجب كما أرّخ لكلمة "تورا" ص 59 -60 في " الصحف الأولى". الكتابة هي الوصية الباقية الممتدة للروح، هي الرسالة التي احتفظ بها اللوح المحفوظ والتي احتفظت بها آثار الصخر والحجر. لقد تعلمتُ معنى عظيم أضاف إليّ وسد ثغرة ناقصة في ماهية الكتابة عندي. ولذا انظر معي لفلسفته بشأن الرواية وكتابتها ، " الصحف الأولى" ص 79 " الرواية - رحلة إبداع بحثاً عن مبدع" ، " الرواية - رحلة استكشاف المخلوق بحثاً عن الخالق" ، ص 107 " لا يفلح في إبداع الرواية الشيقة إلا من استمتع بقراءة الرواية المملة" ، ص 132 " الروائي يروي عندما يتأمل لا عندما يتكلم "، وكثيراً ما أفصح عن الكلام بوصفه نقطة ضعف للإنسان عموما ضد الكتابة التي هي حديث الروح.

بالانتقال لـ" قابيل .. أين أخوك هابيل؟" نخوض بعمق في فكر الكوني. فهو يعود بنا للحكاية الأثيرة حينما قتل قابيل أخاه هابيل. يصورها في باشا يحكم طرابلس في القرن السادس عشر ويحدث صراع ملعون وساخر بين الأبناء على العرش. كنتُ أرى من وجهة نظر شخصية  مصادفة لطيفة ودموية بين ما يحدث الآن في ليبيا وبين الصراع بين الملك والقبائل في مصراته والزنتان وغيرها في ذات العمل ص 305 :
" سكت لحظة ثم أضاف : " إذا دفعنا بهم إلى الدواخل ألّبو علينا القبائل. وإذا دفعنا بهم إلى الغرب نحو تونس فسوف يكسبون عطف القبائل أيضاً!". حدّق فيه الزعيم بعين الغضب قبل أن يزأر : " تتحدث وكأننا في جزيرة معزولة بالمياه !". هنا ابتسم مصطفى كاره ليقول : " صدق مولانا. طرابلس هذه كانت دائماً جزيرة معزولة ليس بالماء بالطبع، ولكن بالصحراء، ولا سلطان لمن يحكمها على ما حولها من أمم !" . هذا الفكر الفلسفي الاستقرائي يتحقق اليوم فيما نعاينه. 
 التشريح الفكري للباشا ولابنيه " سيدي أحمد" و " سيدي يوسف" ولنساء القصر والعمق الفلسفي حتى للمرآة يضعنا في مواجهة للزخم والتدفق الاستقرائي الفلسفي لفكر الكوني. حينما تقرأ له ستتردد  أمامك كثيرا هذه الكلمات " النبوءة" " الألوهة" " الخلود " " الوجود " الحرية" " الحقيقة" " الفردوس" "المكان" " الزمان" " الروح" " الجسد " "الصحراء" ، ثم قوائم طويلة فرعية لكلمات اخرى مثل : " السلطان" " الخليفة " " المرأة " " العزلة" " الملكية" " الحكمة " " الماء" " البحر" وغيرها. سأتناول بعض ما يدرجه من أراء فلسفية ضمن بنية النص. وهنا القدرة على الوصول إلى تكوين هذه الاراء الفلسفية من داخل الفعل النصي هو براعة وإتقان نادرة. ونادرة جداً. أما ما كان ضمن كتاب " الصحف الأولى" فهي جمل مُجردة من الفعل الروائي أسماها بمتون.

* الألوهة:
" الألوهة ، كالوجود ، مبدأ حياد" الصحف الأولى ص 131.
" عافية الروح - الألوهة
ألوهة الجسد - العافية " الصحف الأولى ص 125.


* الصحراء
" أهل الصحراء يقولون : من ملأ فمه ضحكاً اليوم ، ملأه غداً دموعاً"  قابيل .. أين أخوك هابيل ؟ ص 323.
" الصحراء كالحرية - لا نستطيع أن نحترفها ، ولا نستطيع أن ننكرها " الصحف الأولى ص 123
" صارت الصحراء رديفاً للحرية لأنها المكان الذي لا نستطيع أن نركن إليه " الصحف الأولى ص 131
" الصحراء الفردوس الذي نحلم به، ولا نستطيع أن نحيا فيه " الصحف الأولى ص 123 
" الصحراء بديل لمبدأ الميتافيزيقا: من عاش تجربة الصحراء ليس بحاجة لأن يعيش تجربة الميتافيزيقا" الصحف الأولى ص 152
" الصحراء برزخ قائم بين ملكوت الخافية ومملكة البادية " الصحف الأولى ص 152


* الفردوس
" عاد لمطاردة الفردوس المفقود. ثم الفردوس الموعود. قال أن الأهم من الفردوس المفقود هو الفردوس الموعود. المهم هو الفردوس القابل لأن يُستعاد" " قابيل.. أين أخوك هابيل؟" ص 141
" وكل إيمانٍ زور ما لم نفرغ أولا من البرهان على وجود الفردوس" "قابيل.. اين أخوك هابيل؟" ص 142
" الفردوس - حلم ندفع الحياة له ثمناً، ثم نأتي بامرأة تطردنا منه" الصحف الأولى ص 124
" لم يكن الفردوس فردوساً لو لم توجد في الفردوس ثمرة الحرام " الصحف الأولى ص 129


* السلطان :
" من أراد سلطاناً على الناس لا يجب عليه أن يشمئز من مدّ يده ليخنق طفلاً!". قابيل .. أين أخوك هابيل؟ ص 46
" أن قربان السلطان هو الدم! من يتأفف من سفك الدم ليس عليه أن يذهب في طلب السلطان!". قابيل ..أين أخوك هابيل؟ ص 238
" السلطة مهزلة في كل حال: أنبلها ما أدبر، وأرذلها ما أقبل". الصحف الأولى ص107

* المرأة: رؤية عبر بها عن مكنون يسكن مدار فكري.
" تخالف المرأة طبيعتها عندما تحاول أن تكون شيئاً آخر غير الأم. تخالف المرأة طبيعتها عندما تحاول أن تكون شيئاً آخر غير الطبيعة" الصحف الأولى ص 94.
" للتعبير عن إكبارنا للمرأة وحدها تريدنا أن نهديها الذهب، أما الرجل فيكفيه أن نهديه القلب" الصحف الأولى ص 95.
" تهب المرأة نفسها ثمناً لكلمة ثناء من لسان الرجل". الصحف الأولى ص 99.
" إذا دخل الله قلباً خرجت منه المرأة. وإذا دخلت المرأة قلباً خرج منه الله" . ص 110.
" المرأة بطبيتعها جنسان : امرأة لا تحب إلا الرجل الذي يحبها، وامرأة لا تحب إلا الرجل الذي لا يحبها. الجنس الأول يسمى في معجم "المرأة السوية"، والجنس الثاني يسمى في معجم علم النفس " المرأة الماليخولية" الصحف الأولى ص 112.
" الأمر مع المرأة في كل حال عُسر في عُسر: ننالها بعُسْر ونتحرر منها بُعسْر" الصحف الأولى ص 125.
" المرأة- الفردوس الذي أخرجنا من الفردوس" الصحف الأولى ص 126.
" تكابر المرأة أمام الرجل متباهية بقدرتها على القلب العالم رأساً على عقب إلى أن تعجزها الحلية في تحقيق أحقر شأن. عندها لا تستحي الشقية من أن تعترف بالقول: " ما أنا سوى امرأة!" الصحف الأولى ص 142.
" امرأة فقدت رجلاً- امرأة فقدت نفسها
رجل فقد امرأة - رجل استرد نفسه" الصحف الأولى ص 150.

* الروح والجسد :
" الروح - ماء تبدد.
الماء - روح تجسد " الصحف الأولى ص 94.
" التريض - صلاة الجسد.
التأمل - صلاة الروح " الصحف الأولى ص 104.
" الروح التي نسكنها - تسكننا " الصحف الأولى ص 128.
"بالتئام المرأة والرجل يتلذذ بالجسد.
بانقسام المرأة والرجل تتوجع الروح" الصحف الأولى ص 130
" الغريزة - وسوسة الجسد.
الحدس - وسوسة الروح " الصحف الأولى ص 146.
" الجمال - حكمة الجسد.
الحكمة - جمال الروح " الصحف الأولى ص 148.
" بخواء الجسد يتحقق امتلاء الروح.
بامتلاء الجسد يتحقق خواء الروح." الصحف الأولى ص 155.





زيارة خاصة مع سامي كليب













**

اضاءات

مخرج |  " ما قاله لسان حال آدم يوم اختار أن يقطف فاكهته من شجرة المعرفة بدل شجرة الحياة : " ما نفع أن نحيا خالدين فيها أبداً إذا كنا لن نعرف أننا نحيا إلى الأبد؟". الصحف الأولى ص 75.








ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* حديث له عن نجيب محفوظ : 

" فكيف لا تنجب هذه الأرض السخية حكيماً مثل نجيب محفوظ؟ وكيف لا تتبوأ الرواية العربية مكانتها العالمية إذا كان هذا الناسك القديس هو من اشترى لها هذه المكانة لا بهبة دنيوية كجائزة نوبل، ولكن بزهد المعتزلة الذين لم تَصِر لهم الحقيقة يقيناً إلا لعلة تحديقهم الطويل في مجاهل الأبدية ؟




abuiyad