قراءة في رواية ( نُزل الظلام )








مدخل | 
كنتُ في طريقي ناحية الجبل اسلك شارعا متعرجا جداً يؤدي بي إلى بيت جدتي تحت الجبل الشامخ المظلم وأنا في صمتي انصتُ للقاء مع أحدهم على إذاعة الرياض. أعجبني حماس المتكلم وضوحه ويقينه. أجاب عن أحد الأسئلة، قائلاً : " أنا ما أتفق مع أن العالم النتي هو عالم افتراضي كما يروج له . العالم النتي هو عالم حقيقي ملموس يمكن يقاسم يومنا, عالم النت الآن أصبح عالم نتبادل من خلاله المعلومة , نرسلها ونستقبلها , نتفاعل مع القضايا العامة "، رفع بهذا الحديث شكوكي لمرتبة يقين. نعم إنه عالم حقيقي لا افتراضي. مرة أخرى قال كلاماً أعجبني، قال أن من لا يعش الآن في عالم النت هو ليس بأميّ ولكنه خارج نطاق الحياة. أبطأت من سرعة السيارة فقد اقتربتُ كثيراً من البوابة الفضية القديمة لبيت جدتي. انتظرتُ حتى انتهى اللقاء ولا زال عالق بذهني عنوان الراوية التي كتابها هذا الرجل اسمها ( نُزل الظلام ) وتلك العبارتين الجمليتين، انطلقت للسلام على جدتي تلك الليلة. وفي ليلة أخرى بحثت عن هذا الكاتب فوجدته أصيلاً كريماً حياً بحياته وأمله وجماله. فقد هذا الرجل بصره منذ الطفولة ولكنه كان يرى الأشياء بعين ليست كأعيننا، يراها بالدفق الروحي المتأمل في الحياة.


نحن معشر المبصرون .. نحن .. حقاً.. كيف نرى غير المبصرين ؟!. قد تكونت لدنيا شقوة صورية أبدية عن أهل العمى أنهم آخرون، لا يعرفون عالمنا جيداً ولا يعرفوننا جيداً. ولذا فلا رغبة لنا بتفاصيل عالمهم ولا همّ لنا بولوجهم لعالمنا. ألسنا نحظى بشيء من التملص عن طريق أحدهم حتى لا يلحظ وجودنا في عالمه المظلم. ماجد الجارد في "نُزل الظلام" يحكي لنا حكاية العمى بعينه. عمل عظيم أن يدلف هذا الرجل عالمنا بعالمه. يصلنا ببعضنا ويخبرنا عن حقيقة النفرة الآدمية فينا. القليل منا من يصاحب شخص فقد بصره فيتعرف على كونه الذي خلقه ويجهل الكثير الكثير من التفاصيل الطاغية بخياله. الجارد هنا يهبنا مخاضه النوري في بقعة من حياته أسماها "نُزل الظلام". وبعد سرد موجع لتحسسه آثار عالمه الجديد في قرية في ربوع الطائف، ينتقل إلى " معهد النور" في مكة المكرمة ليلج لعالمه الحقيقي الذي عليه أن يتجاوب معه ويكون جزءاً منه. هناك يرى العالم بيديه وأذنيه وأنفه .. يتجرع البعد عن حضن أمه الصامتة ووالده المحب ليحلم بالمستقبل والوظيفة. وبين النزل والمعهد مسافة صفراء من الباص ودكان العم دويخل وأطياف الصبية والصبايا الرائحات من المدارس .بين النزل وحلم غرفته الخاصة في بيته وأوقات الصلاة والطعام والدراسة والمعلمين والوجع الكامن نقرأ بعض المعاناة.


ما هو العالم يا ماجد ؟. كيف يقدر أحدنا أن يعيش جميلاً كجمالك وإن غُيبت بعض الصورة . الصورة كلها ليست في الإبصار. كم من الملايين من يبصر وهو أعمى؟!. من يقرأ "نُزل الظلام" يندس في خبايا الإبصار في عالمِ فاقديه . يكرر الكاتب مرات قضية العمى والرغبة في الرؤية ، ص 64 " كلنا كان يرغب في متابعة الممثلين ومشاهدة الشوارع والبحر والناس وهي تمارس الحياة". وفي معاندة لشبح العمى وما يُفقده ومعاناتهم في النزل من معاملة سيئة يقول ص 73 " هنا بين النزل والمعهد توأد الطفولة!! أما يكفي أنها حُجبت من البصر وتتبع الجمال وبهجة الحياة لارتعاشة زهرة، لنظرة حالمة ، لالتقاط ثمر ناضجة متدلية لاسترخاء غيمة منتفخة، لخفقة جناح طائر ، لرقصة، لطرفة عين أم حنون " وعنه مع البهجة والمتعة يقول ص 103 " منذ اصابني العمى وأنا أكره الساعة التي تنتهي عندها بهجتي معلنة ذهاب متعتي". كيف هو الكون الغامض ذاك الذي يكفينا لاختباره ثانية من الإغماضة نهرب منها فزعاً بفتح أجفاننا ؟!. لكن هذا العالم الذي نعتقده مظلم عند هؤلاء .. هو حقيقة.. ليس كذلك ص 116 " لا عليك يا خالد ما هو إلا قدر يسيرنا وما من نزيل هنا إلا وينسج في أحلامه العمياء عالمه المبصر يتجول فيه، يبني ما يشاء ويبصر كيف يشاء وحين يستيقظ يمضي متلمساً يومه المعتم. " إنه كونٌ منير في كونٍ غامض لنا.. أليس كذلك ؟


حلّة الألوان والروائح والنتوءات التي يعرف فاقد البصر بها حياته. ويتعود فيها أشكالها. تلك الكيفية التي وهبنا الله إياها من الحواس لنتابع الخطى مهما كان العائق والستار ومهما فقدنا بعضها، وكلنا غير ضامن ألا يفقدها اليوم أو في يوم. في هذا العمل يصف الكاتب أماكن وأحداث وأشكال في قمة الوضوح والدقة والإبداع الأدبي، هذا العمل الذي يأتي في 128 صفحة هو بضاعة وصفية أدبية فاتنة وأيضاً صادقة جداً ، كيف أمكن هذا للكاتب الذي فقد نعمة البصر ليرى تلك الأشياء في وصفه البديع ؟!. ص 53 " نتراهن على الاستدلال على اللون من رائحة الحبر، فكل لون له رائحة مميزة فحبر اللون الأخضر التفاحي مختلف عن الأحمر القرنفلي والأصفر الليموني". وعن الرائحة والاستماع كمكوّنان أساسيان لرؤية هذا العالم ، يقول في سرده الأخير عن رحلتهم العجيبة إلى جدة ص 124 " نفتش في الروائح عن معنى آخر لدنيانا، ونشهد تحول عالمنا الضبابي لعالم كالعالم، ويعتمر التشوق والتلهف لأن تلمس أناملنا جسد كل نبرة تعبر تعرجات آذاننا". في بداية العمل كان مشهد تعرف التلاميذ على المدير من رائحة عطره منفذ نحو الأدوات التي تحل كحاسة أساسية لا كبديل في التعرف على الآخرين. أخذني التعجب ناحية وصفه وتحديده لبعض الألوان لأشياء عابرة أو ربما ثابتة، مثلا ً ص 92 " أما من الخارج فقد طلي بطلاء متموج بالزرقة" و ص 103 " الدعاسة الرمادية الناعمة " و ص 120 " السائق شاب يعتمر قبعة خضراء "، كل لحظة بها تفاصيل هامة لبناء الصورة المتخيلة عن الواقع ولذا فالحصول على تلك التفاصيل ضرورة للإحاطة بدقة اللحظة، يمكن الحصول على هذه المعلومات من حديث الآخر دون شعوره ويمكن أن يوحي أحدهم أحسنُ بصراً باللون المتوقع، ويمكن أن يكون للون ملمساً يستدل به عليه كما في الحديث عن الحائط المطلي بنوعين من الدهان ص 81 ويمكن الا يكون له ملمس " الألوان ليس لها ملمس".


كما أبكاني الجارد في "نُزل الظلام" فقد اضحكني أترك لكم متعة هذه التجربة ، كما في قصة قفزة الجد في البئر وقصة الإذاعة العميانية ونطق محمد " البدوي" لكلمة التلفزيون. لكني أخيراً اترك لكم جمالية الوصف عند الجارد حين يصف أشكال الحياة في مكة وجدة ، عن  الطعام في مكة أولاً يقول ص 56 " يمضي بنا في مساءات مكة الحجازية، فلمكة نسمات تنتشي معها تتذوق بلسانك طعمه وتشمّ بأنفك رائحة ليلها المترع بمطاعم الشورما المطبق. وقبيل الفجر تتنفس جرار الفول، والكبدة والتقاطيع والمقادم. ومع الظهيرة فرائحة المندي الدسمة، وعبير الأرز البخاري، وعبثية مداخن الكباب البلدي وكباب الميري، وتتبيلة الدجاج الشواية " !!!. وعن جدة في رحلتهم العجيبة تلك يقول ص 122 " ليونة الهواء ورائحة الرطوبة. جدة عروس تتغنج لا تفتأ تنفث إغرائها لمن يُقبل عليها. جدة حنون مثل كل الجدات ، مدينة ملأى بالأسرار والحكي". لن أطيل هنا .. أنهى العمل بإحترافية قل أن تجدها في الأعمال السعودية .. النهاية حيث يجب أن تكون البداية. النهاية حيث لحظة الاستغراق .. حيث تبقي أثراً دائماً.. حيث تتوقف لتستوعب الأمر. إني بشوق لكل ما يكتبه هذا المبدع. 



مخرج | الجارد لا يحكي لنا فقد البصر والظلام ، إنه يحكي لنا نعمة البصر أيضاً .





خاتمة ؛

قال الله العظيم في حديث قدسي: ( إذا ابتليت عبدي بحبيبتَيْهِ فصبر، عوضته منهما الجنة ).






عن الرواية 

العنوان : نٌزل الظلام.
الكاتب : ماجد الجارد.
الدار : مؤسسة الانتشار العربي.
عدد الصفحات: 128.

* تجدونها في:
- جدة : كنوز المعرفة - شارع الستين.
- الرياض : دار الكتاب تقاطع شارع الملك عبد العزيز مع الملك عبد الله شرقا هاتف رقم 012107000



abuiyad