ملءُ رُوحيّ طَلال مَداح |









1

كنتُ اقبع هناك. عند ناصية الشارع المظلمة. اتأمل تلك الأضواء المتضائلة تشعها تلك الأعمدة في الأفق. فوق ذاك الجبل البعيد السحيق. نادراً ما يتعالى صوت سيارة تعبر هذا الشارع المنزوي الصغير. الساعة الثالثة صباحاً.توقفت إحداها. وأطل من النافذة الصديق الجديد. وأخذت الأحاديث مجراها. أسمعته عبدالحليم " حاول تفتكرني" سأل الشريط. وأبدلني بآخر في زرقته الغماقة عنوان أكثر سحراً. وطالت ليلتي طرب من نوع آخر. فانعشي ذلك الصوت الحاني ملئه صافئاً وسلوةً.
- يا سرّ مكتوم- مقبول منك كل شيء- يا ليلاه " أقبل الليل"- في سلم الطايرة- وردك يا زارع الورد- مسير ماني مخير- أحبك لو تكون حاضر- ودي تكون لي - وربما غيرها لم تسعفني الذاكرة.

ورفعت رايتي البيضاء يا طلال. رافقتُ هذا الشريط طوال السنوات الثلاث من تلك الليلة. أدمنته حتى تشرّبته. وحفظت كل أغنية والتي تليها. وموقع كل أغنية من الشريط. وبقيتُ مع نفسي كل الليالي. اقصد سطح بيتنا البارد. أواخرج لمتأكي عند تلك الناصية أو حتى اصعد الجبل القريب. واردد مع طلال:

انا زي الموية ,,الموية بتسري
ماهي عارفة رايحة لفين ,,
و لمتى راح تفضل تجري
و بتجري رايحة لمين؟
احس ساعات بغيبوبة
و الحب احساس تحسوا به
و فجأة تحدث اعجوبة 
والاقي نفسي مغلوبة

لقد أصبتُ إصابة بالغة. وعدتُ أتلذذ بهذه المعاني الجديدة. والأصداف الساحرة. والنغمات التي تلج فضاء الروح. فتدور بي أفلاكٌ من التأمل. في ذلك اللحن الفريد. والتراتيل الصادقة. وكأنه الصوت استشف مخابئ نفسي. وكهوف روحي. فعشقته كالنسيم. واكتملت لحظتي إمعاناً. وطربت له لدرجات أدركت في زمن قريب. إني لم أكن مجرد معجب. كنتُ مولعاً حد السكون له. أقرضت صديقي الشريط: وفي أقل من أسبوع. كنا ندندن بابتسامة ضاحكة تعلو وجهينا: 

ودي تكون لي يا حياتي كل شي
ودي تكون حب نادر ما يخون
ودي معاني كثيرة بس أحلامي
كبيرة وحبي ما تتصوره فوق انك توصله

ثم ركبتُ قاربي وأبحرت في دنيا لا أعلم لها مرسى. وكونٌ خَلق مني كائناً أكثر إنصاتاً. قبل هذه السنون. كان اسم طلال مداح يعني " زمان الصمت" و " مقادير" و" سلم الطائرة" فقط. وربما أني كنتُ استسلم للإيقاع أكثر من الكلمات والصوت واللحن والموسيقى. ولكن الآن باتت " وترحل" أغنيتي الخالدة التي لا يجيد صوتي المسكين سواها. وارتحلتُ لجدة للدراسة. فكانت لخيالاتي دفقٌ يملئه الشجن والحنين لقريتي الهانئة. وكان رفيقي يَملُ رفقتي في السفر لأنه لا صوت غير طلال يصحبني. لم أكن أدرك مقدار الشغف الذي يركبني حتى صارحني يوماً. وبعد. فلم يكن ليرافقنا مع طلال سوى رفيق دربه أبو أصيل. وحين وقعت عيني على هذا المنتدى. هطلت عليّ مشاعر مَجرّية كأنها جواهر تساقطت داخل قلبي. واستغرقت في ليلة تتبعها أخرى. 
لم أشأ أن افارق هذه المتعة. وحيناً تملكني خوف غريب. بأن هذه الأعمال وهذا الموقع لربما يغلق ذات يوم. فلا أجد بُغيتي. ولي أن اتخيل تلك الساعتين التي أمضيتها فقط في تحميل معظم أغاني المكتبة الموجودة بقسم أغاني طلال. وحمداً. هاهو المنتدى يتنفس ألحان متجددة. 

" غربة وليل". صديقتي الحنونة. تعالج تلك النزوف برحمة. كأنما طلال يحكيني فيها. " الله على قلب قاسي". ها هي صباحاتي في مدينة درج فيها طلال وولج. لكل سنة أغانيها. وعمرها. " اديني عهد الهوى" ." الموعد الثاني".

لن يُختزل صوت هذا الرجل. فيما ينطق به فقط. كان لتلك الكيفية وقعٌ أخر ومؤثر. فطلال يعطي كل كلمة تلك الثقة الكاملة. ينطقها وهو يعنيها تماماً. لم يكن يوماً مؤدي. إنه أبعد أن يكون كذلك. ستنصت للكلمات وكأنه عاش دورتها وحالتها وتجربتها العاطفية والذهنية كاملة. لن يخفى هذا على أي طلالي. وهذا سر ٌ أتقنه بإجادة عالية. وهذه الثقة اجترتني لما تخبأه تلك المكتبة. وتجاذبتني جلساته العفوية البسيطة. وأغراني الكم الهائل من هذه المادة الطربية المذهلة لرحلات تفتيشية متوالية. " اغنم زمانك" و " أنا غلطان" و " قال المعنى علينا". " بات ساجي الطرف" لن ينتظر مني أحداً أن اعدد تلك الجلسات التي أسكرتني. وجلعتني مستوقفاً لأوقاتي بينها. 

"واعلم بأن الشجاعة في الهوى صبر ساعة على ظروف الزمن"
"شـ أعز نفسي وأعلم الجَلد والقناعة بأرض صنعاء اليمن"



2

رَحّال هذا الصوت. يتجاوز الأزمنة والأمكنة. ويبقى راسخاً كالأطواد. مهما تلونت الرياح. وتخبطت الأمواج.ثم. واتتنى أزمان تعلمتُ فيها طلال. وفهمت الإنسان. وتلك الحياة المتواضعة. والتماشي الذي كان يفرضه طلال على نفسه. كأحد الناس. لا غير ذلك. تعلو وجهه ذو التركيبة الباسمة. والنظارة البلاستيكية كملمح وجهيّ أصيل. ابتسامة ونظرة من زمن الحياء الجميل. أعدتُ مرة تلو مرة فيديو" لمسة وفاء" ثم رسمت لوحة أكبر " وطلال يقول نكتة قبل إحدى الحفلات". هنا طلال مداح. هنا أن تحكي نكتة تُضحك بها الجميع. هنا وحدك تقول" حكاها لي محمد عبده". تغزو الوجود. تضحك على كل استفزازات الصحف. وشعارات المبغضين. والجماهير المتعصبة. في جو بنكهة طلالية شخصية لم يتجرأ أحدهم أن يقترب من هذا القربُ الخطر. ولكن طلال بطبيعته. وأطياف ضحكته كان قريباً حتى اتكأ في حجرات القلوب. طافت بي أيامي العصيبة. وسُجنت. فكنتُ اردد بين القضبان " تمرني يا حبيبي". ولما خرجت قلت لرفيقي" كلام البارحة أتغير". و " ويش اسوي به". و" كل ما دق الهوى الباب" . و" يقولوا لي قنع منك". ثم لعله مات الرجل. لستُ ادري. ولكني بقيت دهراً صامتاً. اتحمل مع الغربة والضياع والوحدة مآسي قدري. "ولكل رجل قدره". تناوشتني الأيام ولكني بقيت رجلاً مخلصاً. لأني في كل مرة أجد في الأغنية شيءٌ جديد مختلف. وكمَ رأيتني أكرر المقطع مرات عديدة حتى لتُحدثكَ نفسك بشيء كالجنون يسكنني. 

...ويش اسوي به قلب تعنى بالهوى
خذني غصيبة على المحبة يا هلي
شكّ مظنوني مثله ظنوني
غيرت مجرى
خذني تغريبة على المحبة...

سُحب البساطة التي كانت تسكن روح طلال. جعلت منه يفهم الأشياء من حوله. وقلوب الناس المتعلقة بأستار هذا التواضع. شيءٌ يفهمه طلال. ويعشقه. ويُظهر له الفهم. الأصوات المتطايرة التي يكشفها المايكرفون في الجلسات. أغدقت فيّ استغراق آخر. " موّل" . كلمة واحدة. وبعد دقيقة ستسمع موالاً. " أعد" وسيغني ما طلبت إعادته وكأنه لك وحدك. " الكمان" يحب أن يستعرض يتوقف طلال. لن يبدأ "ديتو" أبداً. سوف يبدأ " محسون" أو "سراج" أو "أبوبكر" . وإذا بدأ فكم يحابي ضَيفه ويبذل له احتراماً. ومن أجل هذا كان طلال مداح واحداً من نوعه. وفي دنيا وفاءه. وكرّت الأيام كرّتها.فَارقني أعز أصدقائي. ورَحل. وهو يقول لا أغنية كـ"سويعات الأصيل". فهي معزوفة الرحيل التي باتت كذكراه. 

...و أخيراً ليس لي غير الوداع 
همسة ظمأة على جمر التياع
لم أجد يا حلو في كل البقاع
لوعةٌ أعنف من وقت الوداع
فوداعاً و وداعاً يا حبيبي ...

" أنادي". " انتظاري طال" ." ليلة تمرين" . " تصدق والا أحلفلك ". ستبُنى مادة من المفردات الأدبية لدى المستمع. ثم " غلاب يا هوى" ." صابرين" ." أنا راجع أشوفك" ."يا حبيب العمر". تعلو المرتبة. وتذهلك أوتار الحنين. والحب. ويجود طلال ببعض ما فيه. على الرغم من كل أشكال التجاهل الظالمة. " العطر" ." يا صاحبي" ."ما تقول لنا صاحب" . " لا ما فهمت"." الولع غنى"." آه من قلب". استرجع أنفاسي. ثم لا أكاد افهم ذلك الورث الذي خلّفه. من له يطرب؟. من له يفهم؟ من له يستغرق؟. في زمنٍ باتت الأغنية فكرة سامجة لا تعدو أن تكون جنين ميت تتقاسم الشركات محاولات إنعاشه. لا طرب. والله. لقد انكفأت إلى الماضي افتش عن حقيقة الطرب. فعثرتُ عليها هناك. 

وفي كل مرة أعود فيها إلى قريتي. أجد نفسي غريباً. حتى فيما اسمعه. لقد حولتني المدينة وحشاً. وكالهائم ما بين ناري. ورائحة اللحم المشوي. تحتفي إذاعة جدة في بعض لياليها بشيءٍ من وفاء. ولذة الاستماع من الراديو كطعم الفكاهة النادرة. لا تضيع لحظة. " من عيوني". " يا عيون النرجسي". أختَ القمر". 

..اخت القمر .. عمري سهر في عيون حبيبي
ورد الأمل .. بسمة خجل في عيون حبيبي
موال الليالي .. بالسحر ساري .. من نور عيونه
والشوق والمحبة وفرح الأحبة
همسة حنان .. اخت القمر عمري سهر
ما احلى السهر في عيون حبيبي..


3

كأحاديث السُمّار الهانئة. التي تعَبُّ صمت الليالي تتجول روحي. بين تلكَ الألحان. ومن قديم. كان طيفُ طلال يجول. وكأن تلك الأحاديث تقابل بعضها في سمر. ولَكمْ وجدتُ في أطراف الألحان قصة ٌ من نهاري. كانت لي عادة. بعد كل هذا. أن أفتش لحناً لم اسمعه من قبل. ووجدت أن بحثي تضاءل كل مرة. بشيء جديد. فهالتني " كنتُ يوماً اتجبر" و " قصري بُعد المسافة" و" في خاطري شي" و" اسأل ظلام الليل". ثم تأكدتُ أن بحثي يتعاظم أكثر. مع تلك الاسطوانات القديمة التي لم أسمع معظم أغانيها من قبل. أنا رجلٌ من جيل جديد. خطرٌ عليه أن يغوص بهذه السرعة. ووقعت على " مجرد علامة" تسجيل الإيقاعات. إنه اكتشاف من نوعه. لم أبارح نفسي. والكلمات بصوت طلال. تكتب سطراً في حياتي. سطراً واضحاً كأنقى نظريات الفلسفات. كنتُ في أحيان كثيرة. اكتب كلمات الأغنية كاملة. وأرسلها لبعض من أعز. وأوقعها. "غناء طلال مداح". فهي ترتقي مستويات هائلة. لا يشوبها سوى أن تطل نهايتها.ماذا كان يقول فيها. لا تسألني. قال فيها أكثر مما قد يُقال.كانت أحق سطور نهاية قصة العشق المجنونة التي عشتها بأكناف جدة المجنونة.

ارحلي للنسيان والذكرى وهم .. ارحلي صرخة ما يسمعها احد
في عالم النسيان نسيت الندم .. نسيت ليل طويل فكر وسهد
خلك بقايا جرح ماله الم .. مجرد علامة تشوه جسد
لا تبحثي ماضي في حكم العدم .. ولا توقظ من البارحة حلم رقد
انسي جرات هاك القلم .. في نشوة الحب كتب لك عهد
لا تصير ضامي من بالماء حلم .. يطرد سراب لا جاه ابتعد
خلينا في دبرة حكيم من حكم .. مزون حكمه يسبقها برق ورعد

وقبل هذا. ما سرّ هذا السَمَار الذي يتغنى به طلال!. أوغلتُ حتى غفوت متعة وطرباً. السَمَار. الطينة الناعمة التي ترسم الوجوه أكثر جمالاً. ووسامة ً. وإنسانية. " أسمر عبر" " أسمر شبك قلبي" " أسمر سمير الروح" " أسمر حليوة" " أسمر من البر" " أسمر يا زين" " أسمر يا غالي" " سمراءُ يا حلم قلبي" " غنوا معايا للسمر" . وربما غيرها. فكانت أن توافقت قصة عشقي بهذا اللون. وتتطاير الأماسي بالرسائل إلى حيث فتنة السمَار. ها هو. يُربّت على ظهر يده. ويسحب معطفه للأمام ينتظر المقطع القادم. يُذهلك في صغره في الأسود والأبيض.كما في زمن ودَاعة الكبار. حين كانت تحتضنه لبنان. تلجمني حركات أطرافه التمثيلية. ترافقه نغمته بعلامة الجودة الوحيدة. " طلال مداح".وبس. 

خطر 
أنا شفت الموت 
لما خطر
يا للخطر
أدعج الطرف في سهمه القدر
كيف الحذر
حبيته 
و الحب في عيني ظهر
مكتوب مكتوب مكتوب
و مقدر

جميلٌ هذا الإنسان. بنفسٍ مرحة. تقبل هدية "الشدّي" تلك الحلاوة وخبأها لإحدى بناته. وتَلقفَ الكمان. ليحكي لنفسه قبل الآخرين. أنه موسيقي بدرجة ملكية. ثم وقوفه بجانب " محسون" ليقدم له قطعة الوفاء التي تسكن قلبه. وليقول أن " محسون" فنان عظيم.شهدتُ له الست الكبيرة. وما أدهشني حقاً صناعة الألحان الممزوجة بنكته الخاصة. " جمرة غضى" و " صعب السؤال" و "أجاذبك الهوى". وبعض الأغاني التي غناها بلحنين مختلفين. " الليل ما يحلى" كيف استطاع أن يتحرر من قيود الأصوات الموسيقية المرسومة في ذاكرته. لينتج لحناً مختلفاً يطفر روعة وطرباً. لك أن تُجرب " الحب وأنت وأنا" بلحنين اسكنَ فيهما طلال كل تشكيلات النوتة الموسيقية باحتراف أمتعني غاية ما اُمْتعت. لم أرى فيهما " عبدالله محمد" .فتزينت لياليَّ في ظل أشجار أرصفة أبها. والضباب العالق هنا يسبحُ بي بعيداً. بعيداً.

الحب وأنت وانأ لو جمعتنا الليالي ..
نسعد بدنيا الغرام .. ونعيش فيها سوا
وياك تحلى الحياة والقلب يبلغ مناه ..
ويطيب جرحي بلقاك وأشوف بعيني الهنا
يا من بسهمه رماني وصاب سهمه الفؤاد ..
حرام والله جفاك .. حرام كثر الأسى
قضيت يومي بسنه وشربت كاس الضنى ..
مليان جور وألم ودموع تبكي الجوى
الحب وأنت وأنا لو جمعتنا الليالي ..
نسعد دنيا الغرام .. ونعيش فيها سوا



4

"على بساط الحبْ الناغم التفع بهذه الألحان. وكم تنفستْ روحي مع صوت طلال الشجي. ولا تسألني ماذا يصيبني إذا غنى طلال كلمة اجتمع حرفي النون والحاء فيها حينها يرتقي الغناء في أعذب صورة اتخيلها واعرفها . ومرات أخرى كبرتُ مع هذه الألحان وفاضت بي.جمع هذا الرجل الشجن ولوحة الحب والايقاع الراقص في لحن واحد استمع لـ " من فتن بيني وبينك" و " يا زمن صبرك شويه" و" فينا واحد يلعب" و" ياقمر" و " مادام معاي القمر"و" اسمع حياتي". وغيرها.، ومع البدايات كنتُ انصتُ لأربع أغاني جديدة كل أسبوع وانقشها على طاولة الصف وكل اسبوع يحظى بأربع أخر حتى تزاحمت أطرافها في مشاغبة راقت لي . وكنت مولع في البدايات بـ " قولوا للغالي" و " سلام لله يا هاجرنا" و " مرّ بي".
،
لو تغيب عني عيونك "
هلت النسمه عبيرك 
في فؤاد المستهام ..
قلبي لا يمكن يخونك 
والنظر اصبح اسيرك 
والنظر اصل الغرام" .
،
ثم حادثتني ايام بها ألم وخوف ووحدة حتى لكأن الكون سكن صامتاً ووقعت يديّ على دندنة طلال العفوية لـ " المنفرجة" فعالجتْ بروحي هذا الخوف حتى عدتُ اغرق من جديد مع أشرطة " عزّ الكلام" و" قصت ظفايرها" و " وينك أنتي" و " السكوت ارحم" أربعة أشرطة صاحبتني كثيراً حتى اختفت في غفلة. وبعد زمنٍ من رحيل هذا الصوت اخضرت فيّ أشجاره ووُصمْتُ بطلال وكان هذا يفرحني. وكانت صورته على " طبلون" السيارة يضفي على سفري حنين وجمالٌ سافر ورحلة لذيذة في دنيا العشق وفتنة العيون. وصاحبني في قارب راكبٌ جديد يغريني بابتسامته واعوجاج فمه فلا شيء كأن اطرب لـ " إلا أنا" و " أحب الليل" وأغنيها بصوتي اليائس الفرح. كانت تلك أيامي بنشوة الحب. ورفعت يدي لمعشوقتي في ليل جدة الكئيب . وأنا أنشج مردداً " حتى أنا .. حتى أنا.."
،
لا تهمسي بقلبي ولا ترسلي بسمات "
هذا طلب مني وما ظني لي رجـعـة 
يا اجمل ليالي العمر يا أعذب حكاية صـــبر 
ما اقول وين الوعد يا بنت كلن نسى.. "حتى أنا.."

وفي فضاء طلال ككل عشاقه نهيم بمواله والذي يرافقه لعمر مديد كأنهم أصحاب نجوى كـ " ذهب الهوى بمخيلتي" و " بي مثل مابك يا قمرية الوادي" وجننت فعلاً عند " ولما بدا لي أنها لا تحبني" ،وهنا عودة لللغة العربية والبيان والتصاوير البلاغية لتصنع جمهوراً أديباً ذا ذائقة مثقلة بجمال الحرف ودقة الوصف محلّقة بنغم صافي ولذة سَماع ولذا فإن جمهور طلال هم عامة وخاصة والخاصة هم الأدباء والكتّاب من شعراء ونقاد وذوو اختصاص كان طلال مداح هو نافذتهم لتنفس الأدب بهذه الكيفية وأنا روحي هائمة في الحرف والكلمة فكيف إذا ما ترنم به صوتٌ أخاّذ وحسٌ يخلقُ في روحي إنتشاء ليس كمثله إنتشاء. 
،
ولما بدأ لي أنها لا تحبني "
وأن هواها عني ليس بمُنجلي
تمنيت .. أن تهوى سواي لعلها
تذوق صبابات الهوى فتَرِقُ لي
وما إن قليلٍ إلا وأشغِفَت 
بِحُبِ غزالٍ أدعجِ الطرفِ أكحلِ
فعذبها حتى أذاب فؤادها
وذوقها طعمَ الهوى والتدني
فقلت لها : هذا بذاك
فأطرقت حياءً وقالت : 
كُلِ ظالم يُبتلي.."



من : غربة وليل 

كتبت هذا الموضوع في منتديات أستاذ الجميع وغيره على هذا الرابط  &









abuiyad