قرءاة في كتاب ( اللغة الصامتة ) .







في عالم هذه الفوضى الحياتية وفوضتنا القرائية والكتابية يبرز هذا الكتاب كمُرشد متخصص يرتفع بنا عالياً لنرى مكونات الحياة بين أيدينا على حقيقتها، ثم يرسم لنا طيف واسع نبصر فيه أدق التفاصيل التي نعيشها. وكيف نعيشها؟. لقد بعث فيّ هذا الكتاب بعيداً عن كتب تطوير الذات السامجة ، رؤية ثاقبة لتحديد معنى الثقافة. هل تذكرون كم هي المرات التي أرادنا البعض أن نصفهم بأنهم مثقفون؟ والمرات التي رأى البعض أنه يملك السلاح السري لمعنى كلمة الثقافة ويخفى علينا الأخرين ؟. كل هؤلاء إذا لم يقرأوا هذا الكتاب فإنهم في تشدق لا أكثر. وأعتقد في البداية أنه من الواجب على كل شخص يبحث في النفس البشرية والسلوك والأفكار والأنماط  والاتصال واللغة والتعلم والكثير مما تتكون منه الثقافة أن يقرأ هذا الكتاب.  وأعتقد أيضاً أنه يجب الا تخلو مكتبة صغيرة أو كبيرة منه. لقد رتب لي أفكاري ورحتُ اُلملم شتات بعثرات فكري وملاحظاتي في ظل تحليل وتصنيف مبدع لا مثيل له. ثم أرجوا ممن يقرأ هذا الكتاب ويقع على مثيل له أن يخبرني متى ما كان هذا.

اللغة الصامتة هي الثقافة، إنها الثقافة المُكَونة على مد عصور لكل بلد ولكل عائلة ولكل فرد. إنها تلك الممارسات التي يقوم بها المجتمع مع بعضه دون أن يحددها مُحَدد، ولكنها هكذا تطورت بتفاعلاتها مع الزمان والمكان والاتصال مع الأخر. ص39 " الثقافة ليست فكرة غريبة تُدرس من قِبل مجموعة مختارة من علماء الانسان في البحار الجنوبية. إنها قالب جميعنا مسكوبون فيه، وهي تسيطر على حياتنا في عدة طرق لا يراودنا شعور بوجودها ". فالنظر إلى الثقافة كحالة يمكن أن تُفرغ وتُدرس ويُعاد مفهومها مرى اخرى أمر مستحيل. فالثقافة هي نتاج تراكمات تعاطي الانسان منذ الأزل مع ما حوله ومع مفاهيمه عما حوله. إن محاولة الكاتب تحديد الثقافة بهذه الشمولية يتحقق حينما ننظر إلى الصراعات على كافة مستوياتها الشخصية أو العائلية أو على مستوى أكبر ، ففي كل مرة تستجلب الصراعات معها ثقافتها العتيدة لتحديد كفة الربح في النزال. وعن مفاهيم  الثقافة أيضاً ص 237 " هي نظرية يثبت في النهاية أنها وثيقة الصلة بالإهتمامات الشخصية الأكثر عمقاً. إنها تمس تلك القضايا الخاصة جداً لدرجة أنه يتم تجاهلها غالباً في ذات اللحظة التي يبدأ الناس بإدراك معانيها الضمنية".  ثم يأتي سؤال هل الثقافة يتم تعلمها أم تكتسب ؟ . يجيب الكاتب في ص 49 " القسم الأكبر من الثقافة يُكتَسب ولذلك لا يمكن أن يتم تعليمه " ثم يضيف أن حضور اللغة صبغ الثقافة بصبغة التعلم فبات أنه يمكن تعلم جزء معين من الثقافة عبر اللغة. فاللغة هي أحد أهم أنظمة التراسل الأولية حين الحديث عن مفردات الثقافة، ثم تأتي الأنظمة الاخرى التي يعبر عنها بأشكال تواصل غير لغوية. ومرة اخرى في صفحات متقدمة حين يتحدث عن مفردات الثقافة  يرى أن الثقافة سلوك مكتسب ومشترك في ذات الوقت. هذه المعاني ومحاولات تعيين معنى للثقافة تُدرك بشكل تام عن قراءة كافة فصول هذا الكتاب، حيث يستغرق المؤلف في حلحلة أصول الثقافة عبر فصول الكتاب مع أمثلة موفقة جداً لتوضيح ما يُشكل.

وحتى ندرك مفردات الثقافة يذهب الكاتب نحو التنظير والتصنيف فيعددها كما يلي : 1- التفاعل. " وهو العنصر الذي يحتوي اللغة". 2- الاتحاد. 3- موارد الإعاشة. 4- ثنائية الجنس. 5- الإقليمية. 6- الزمنية. 7- التعلُّم. 8- اللعب. 9- الدفاع. 10- الانتفاع ( استخدام المواد). بقيت هذه الكلمات مجردة أمامي وغير مفهمومة ولكن في الصفحات التالية حين راح يشرح معنى هذه الأنشطة البشرية المنفصلة أو ما أطلق عليه " أنظمة التراسل الأولية" فهمت جيداً ما الذي يعنيه، وهو يستمر طوال الكتاب في الحديث عن هذه الأنظمة وترابطها بغيرها من نظرياته عن الثقافة. فيتوصل أحياناً لمعاني نتشارك فيها على الرغم أنه يتحدث عن مجتمعه الامريكي ، ولكنه حين ضرْب الأمثلة كثيراً ما استشهد باليابانيين وبالعرب وبسكان أمريكا اللاتينية وأقليات أخرى من الهنود. فمثلا في حالة التعلم يخرج بهذا الاستنتاج  ص65 " وحقيقة أن معظم أطفالنا يكرهون المدارس ، أو ينهون مدارسهم وهم غير مثقفين تبيّن أنه ما زال لدينا الكثير لنتعلمه عن التعلّم كعملية ". في نظام الدفاع مثلاً ، يرى الكاتب أن البشر طور تقنيات الدفاع بعيداً عن فكرة الحرب، فالدين والطب والقانون هي وسائل دفاعية بارعة قام بها البشر ص 71 " يهتم الدين بمنع أخطار الطبيعة والأخطار الموجودة داخل الفرد، وتطور مؤسسات تنفيذ القانون لتتعامل مع المخالفين للقانون ضد المجتمع، والجيوش تُستخدم ضد مجتمعات اخرى، وكذلك الطب، فهو يدافع عن خير الجماعات وكذلك الأفراد ضد المرض".

النظرية التالية هي النظرية التي يعالجها طوال الكتاب أيضاً وهي مقبولة حسب التحليل الدقيق لها وهي نظرية " الثلاثي الرئيس". فهو يرى أن تعاطينا مع حاجتنا في الحياة وتفاعلاتنا مع كل ما حولنا تتنظم في ثلاثة أشكال " الفعل الرسمي" و " الفعل غير الرسمي " و " الفعل التقني" مع إبدال مفردة "الفعل" بالنشاط المطلوب دراسته. وتبسيط  مفهوم هذا الثلاثي اختصرُهُ؛ بأن هناك معاملة رسمية بإعتبارات مؤسسية مثلاً أو حتى عرفية، وهناك تعاملات غير رسمية تنشأ بين أفراد الثقافة الواحدة ومعترف بها وربما تؤدي نتائج أهم وأقوى من التعاملات الرسمية، أما التعامل التقني فهو الكيفية التقنية المثبتة والمدونة لفعل أمر ما، مثل كيفية صناعة ثلاجة أو الوصول إلى مكان عبر خريطة فهناك تعليمات تقنية على الفرد أن يلتزم بها تماماً فهي طريقة واضحة وملتزم بها. محاولتي البسيطة هذه للتوضيح لربما لا ترقى إلى ما ناقشه الكاتب بشكل بارع جداً، وسيجد القارئ متعة لا توصف حين يقارن بين فعل واحد على هذه المستويات الثلاثة، فهو يضرب بالتعلم والإدراك والوجدان أمثلة على فهم " الثلاثي الرئيس". في فقرة الإدراك غير الرسمي مثلاً يقول ص 96 : " إن غياب الإدراك في النشاط غير الرسمي يسمح بدرجة عالية للمحاكاة. إن لحظة تفكير متأملة ستُظهر أن في السير أو في قيادة السيارة يميل إدراك العملية لأن يكون عائقاً لأداء سلس؛ وبشكل مماثل، فإن الإدراك الكبير لعملية الكتابة أو الكلام يمكن أن يعترض طريق ما يحاول المرء أن يقوله. لذلك، فإن الإدراك غير الرسمي مكوّن من نشاطات أو طرق مميزة تعلمناها في وقت ما ولكنها إلى حد كبير جزء من حياتنا اليومية حيث يتم القيام بها آلياً. وتتم إعاقتها غالبا عندما نبدأ في التفكير فيها ". اخترت هذه المثال التنظيري  ليوازي ممارسة أعايشها فأنا حين افكر بشكل كبير عند قراءتي لسورة الفاتحة في الصلاة أخطأ فيها.  إليك هذا المثال التنظيري في حالة الوجدان التقني ص 101 " الأم التي تُستَفز من طفل يمكن أن تجد نفسها تستخدم اسم الطفل الكامل وهي تناديه للتوبيخ. ويعرف الطفل حالاً أنه تخطى الحد وأن الأم جادة لأنها تصبح تقنية. إن الرسمي والتقني هو ما يلجأ إليه الناس عندما يفشل كل شيء آخر". لربما تتضح لديك المعاني بشكل أكبر وتلج لفهم نظرية الثلاثي الرئيس عند القراءة الكاملة لهذا الفصل.

الفصل التالي " الثقافة تواصل" ، ويتعرض فيه إلى مفهوم الثقافة الطويل والعميق لكل فرد وتواصله مع الاخر، تذكرتُ الآن مثال قدمه لنا دكتور في الجامعة، قال لي " حينما يحدث بيني وبيك يا عبدالله سوء تفاهم ، ثم أجدك بعد يومين وألحق بك وأناديك: يا ابو علي.. يا ابو علي.. ، ولكنك تزيد في خطواتك لتتجاوزني دون أن تلتفت إليّ، هذا يعني انك لا تريد التواصل معي الآن أبداً". إدوارد تي. هول في هذا الفصل يشرح بكثير من الإبداع هذا المعنى على عدة مستويات، وأخذت لكم هذا المثال لنقيسه على حالة عشناها معاً. تذكرون الخطابات الثلاثة للرئيس المخلوع حسني مبارك، حين نفصل الكلام عن الحالة التي جاءت فيها، فإنه حديث قيم ممتاز يحمل الكثير من الطمأنة والمفاجأت السارة ولكن ردة الفعل تكون مختلفة، لماذا؟. لقد خطر هذا المثال وأنا أقرأ هذه الفقرة ص 128 " نُلقي شخصية سياسة خطاباً يفترض أن يكون مطمئناً. إلا أن تأثيره يأتي معاكساً. عندما تُقرأ الكلمات تكون مطمئنة. ومع ذلك فإن الرسالة الإجمالية كما تم إلقاؤها ليست كذلك. لماذا؟ ( ...... )، يمكن أن تكون الجُمل بدون معنى بحد ذاتها. ويمكن أن تكون إشارات اخرى أكثر بلاغة بكثير. إن الأجزاء الهامة للتواصل على مستوى الثقافة تتميز بقصرها مقارنة بأنواع أخرى من التواصل". ولمزيد من كشف حقائق الثقافة وواقعها يصنف الكاتب ثلاثة تصنيفات أخرى للقياس، قياس أداوت الثقافة من لغة وأفعال وأشكال اتصال ومواد مساهمة إلى آخر القائمة، فجعلها أولاً في " مجموعة" وعنّون للفصل بـ " المجموعة المنتشرة" ووضعها في المرتبة الأولى كأكثر وضوحاً وفهماً من أي أداة أخرى ، فأمثلتها كمجموعة من الكتب أو الطاولات أو الأفكار من المبادئ والقيم ....إلخ. سوءاً كانت في مجموعات رسمية أو غير رسمية أو تقنية. ثم ثانياً " الوحدة الصغرى " وعنّون الفصل بـ " الوحدة الصغرى المُضللة" ولها معنى لطيف ستدرك جماليته وأثره الكبير في ثقافة أي مجتمع انساني. تلك الوحدات الصغرى التي تكوّن المجموعة ولكن يُنظر إليها كمجموعة لوحدها وضرب مثالاً باللكنة التي تظهر عند تعلم لغة جديدة فبقائها بسبب الوحدات الصغرى الباقية من اللغة الأم التي تعلمها الانسان. ينتهي الكاتب بقوله عن الوحدات الصغرى ص 151 " من الصعب وصف الوحدات الصغرى ، ويبدو مفهوم الوحدة الصغرى أو حجر البناء أنه جزء متمم للتواصل البشري على كل مستوى. علاوة على ذلك ، الوحدات الصغرى هي شيء يحاول البشر اكتشافه وتحليله باستمرار، سواءاً تم ذلك بوعي أو بدون وعي".  أم الفصل الثالث قي هذه الأدوات القياسية فأطلق عليه النمط وعنّون الفصل بـ " النمط المُنظم" وعرّفه في وضوح بقوله ص 154 " الأنماط هي تلك القواعد الثقافية الضمنية التي بواسطتها يتم ترتيب المجموعات بحيث تتخذ معنى" ، وضرباً مثلاً بقتل العربي لأخته حين تبقى في علاقة غير شرعية موضحاً هذا أن السلوك لم يكن مقبولاً في الثقافة الاوروبية ، ولكنه نمط حياة ضمن أنماط إجمالية لا يفهمها الأوروبي بشأن التكوين العربي المؤَسس على الأسرة التي تقوم بالمجتمع فإنهيار هذا النمط من هذه الثقافة يعني انهيار كبير في هذه الثقافة، على الرغم من تجاوزنا لهذا المثل الذي فرضه وقليل ما يحدث الآن، إلا أنه متأصل في الثقافة العربية فيما يسمى  بنمط العيب والعار والشرف. مثال آخر لطيف عن كلمتي " can " و  " may "  يرى الكاتب أنها نشأت في القديم كأنماط غير رسمية للمعاني التي تؤديها ، فكثيراً ما تستخدم المرأة " may" بصورة أكثر نقاءاً ليحقق الرجل مطلبها، بينما ارتبطت كلمة "can" بالرجال.  أحب أن أعود بعد هذا التوضيح لتقريب معنى الوحدة الصغرى بهذا النص ص 153 " تم وصف الوحدة الصغرى بشكل أولي كجزء من تركيبة المجموعة. وهي كذلك أحد العناصر الرئيسة في النمط. علاوة على ذلك ، يمكن توضيح أن العمل الأساسي الذي تم حول الوحدات الصغرى الذي كان يبدو ذات مرة عادياً جداً، كان ذا قيمة كبيرة في تحليل النمط. توفر الوحدة الصغرى انتقالاً من المجموعة إلى النمط وهي الوسيلة الرئيسة للتمييز بين الأنماط " .


في فصل " الوقت يتكلم " نجد أنفسنا فيما ترسمه لنا ثقافتنا بشأن الوقت بل إن فهمنا للوقت يختلف من شخص لآخر، إن تأخر دقيقة أو خمس دقائق أو عشرة أو أكثر أو الوصول قبل الموعد بدقيقة أو خمسة دقائق أو عشرة ثم تعاملنا على هذا الفارق الوقتي يعكس فهمنا الكلي الثقافي عن الوقت. قرأت في هذا الكتاب مقارنات حول ما يجب أن تكون عليه ردة الفعل عند التأخر خمسة دقائق من ثقافة إلى أخرى. فالساعة عند المسؤول العربي تعني الدقيقة أو الخمس دقائق عند المسؤول الامريكي. ثم ما ولدته لنا ثقافتنا بشأن وقت المستقبل ، كيف تصف عباراتنا المستقبل ؟ ، كيف تختلف الثقافات في نظرها للمستقبل وأمده الزمني ؟، إضافة إلى رؤية وتنظير على المستويات الثلاثة الوقت الرسمي وغير الرسمي والتقني. يقول الكاتب ص  190 " أن الأمريكان كالعديد من الشعوب الأخرى، يستخدمون الوقت كرابطة تصل الأحداث ببعضها . إن الجملة اللاتينية  ( بعد الحادثة، لذلك بعد الحادثة ) ما تزال جزءاً متمماً للتركيب التقليدي لثقافتنا ".  وليميز الناس بين المجموعات الوقتية فهناك أربع وحدات صغرى غير معلنة ولكنها تلقائية الفهم والبداهة تقوم بهذا التمييز وهي : 1- الإلحاحية. 2- الأحادية في العمل. 3- الفعالية. 4- التنوع. ولنقرأها بشكل سريع:  النظر للوقت وهو يمر بسرعة أو ببطء هو من شأن وحدة الإلحاحية.  عمل شيء واحد كل مرة هو ما يقصد به الأحادية في العمل، هذه الميزة التي يتميز بها الامريكي. فعالية الوقت ؛ الجلوس في بعض الثقافات يمثل عمل.  التنوع في التمييز بين مجموعات الوقت فهناك فترات زمنية قصيرة ثم طويلة ثم طويلة جداً. يقول الكاتب عن التنوع ص 199 " على المستوى غير الرسمي  للوقت فإن الاختلاف الرئيس هو بين الرتابة والتنوع. فبالتنوع يتحرك الوقت بشكل أسرع. والأشخاص المسجونون بعيداً عن الضوء حيث لا يمكنهم معرفة ما إذا كان الوقت نهاراً أو لا، يفقدون بشكل واضح كل إحساس بمرور الوقت. إنهم يصبحون فاقدي الحس بالزمان، وإذا ما بقوا بعيداً لفترة أطول أكثر من اللزوم فإنهم قد " يفقدون عقولهم" ".

 الفصل التالي  هو " المكان يتكلم" ، وعنوان هذا الفصل هو ما جذبني لهذا الكتاب عند تصفحه لأول مرة، فارتباطي بالمكان ارتباط بات يمثل لي معنى غير المعنى المتداول. كيف يتكلم المكان؟. أمتع فصول الكتاب بالنسبة لي.  بدأ الفصل بهذه العبارة الجميلة ص 208 " إن كل كائن حي له حد مادي يفصله عن بيئته الخارجية بدءاً بالبكتيريا والخلية البسيطة وإنتهاءً بالإنسان ". المكان في بعده الآخر. في بعده المُتحدث والمُعبر. كيف تفاعل الإنسان ومجموعات البشر مع المكان، وكيف أعطته قيمة معينة وخاصة ؟ ، كما هو عند كل الحيوانات التي تضع حدوداً وتخلق حروباً وتبث رسائل بالمكان. " الإقليمية" هذه الكلمة المكانية تنشأ عن إدعاء حق عن منطقة أو الدفاع عنها. أبسط مثال وضعه لنا الكاتب هو مثال الفتاة التي يُعتدى على مطبخها بإقتحامه من قبل الأم أو الأخوات. إن كل امرأة تعتبر مطبخها هو مكانها الخاص بها والذي يجب الا يقترب منه الأخرون، وإلا سيصيبها هذا بحالة من الاحباط والعدائية. لدينا في الإسلام اهتمام  فائق بالمكان ، ففي الحديث الشريف هناك نهي أن يغتصب المسلم أرض أخيه ولو كان بمساحة قضيباً من أراك، مع وعيد شديد.  وهذا الحديث يدلل على هذا أيضاً ، قال الكريم -صلى الله عليه وسلم - " من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به "، وغير ذلك من الآثار.  الحيّز الذي يغطيه المكان في تخطيط المدن أو حتى الحيز الذي تشغله الممحاة من القلم الرصاص ، يصنع نوع تواصلنا مع ثقافة المكان. فهم المجموعات البشرية للمكان تُحدث شكل ونسبة من التجاوز والخطأ بسبب اختلاف المدارك والمفاهيم عن المكان.

يحوي الكتاب مئات الخواطر والأفكار الخاطفة لنظريات ومقارنات ورؤى مُلئت بها أنفسنا يُعاد صياغتها في إطار تصنيفي وتحليلي شهي. إنك تنظر إلى نفسك ومن حولك في كثير من الممارسات القائمة على ثقافتك وثقافة مجتمعك وثقافة وطنك الكبير وثقافتك الكبرى كإنسان تشترك بها مع كل إنسان، على الرغم أنه قد مضى على تأليف الكتاب أكثر من ثلاثين سنة. وهو أيضاً يعطي دروس مستخلصة عامة وخاصة وتفصيلية لفهم ذاتك حقاً والتبصر بفكرك وأفعالك ومن حولك، والتعاطي مع الناس على أساس من النظريات والأمثلة.


* بعض من العبارات والفقرات التي اعجبتني : 

- " دراسة التغيير هي دراسة البقاء " ص 118 .
- " اللاتحديدية الثقافية ؛ تمثل الشخص يمكنه أن يكون دقيقاً فقط على مستوى تحليلي واحد في كل مرة على حدة وفوق ذلك للحظة فقط " ص 147 .
- " إن فكرة أن الشعب كمخلوقات ثقافية مقيدون بقوانين مخفية وليسوا أسياد مصائرهم يمكن أن تأتي كصدمة للبعض - لقد كان من الصعب دائماً قبولها. الشيء الوحيد الواضح جداً هو أن الناس مقيدون طالما بقوا جاهلين لطبيعة الطرق المخفية التي تزودهم بالثقافة" ص 155 . 



عن الكتاب :

عنوان الكتاب : اللغة الصامتة.
المؤلف : إدوارد تي. هول.
ترجمة : لميس فؤاد اليحيى.
الدار : الأهلية للنشر والتوزيع بالأردن.
عدد الصفحات : 263.

نسخة إلكترونية من الكتاب



abuiyad