قراءة في رواية ( الضيوف )- رؤوف أوفقير.





















بداية |

أي ظل غريب في هاتين العينين المفتوحتين
يبحث في الحلم عن وميض اللهب ؟
يدفنه الليل الكئيب بجناحيه
في صمت موسوم بكل الآلام!
أيُّ نشيدٍ متموج بأمنيات صادقة؟
يغني هذه الروح في أعماق قبر
هو فراشها الأثير
يستلقي عليه في المساء قلقُ الكلمات!
أية ابتسامةمرعبة لهاتين الشفتين؟
المتفتحتين بأمطار مريرةٍ تغرق الابتسامات
في القعر الكئيب للوداع الأخير!
مَنْ عساه يقول ذلك دون تأوهٍ
من عساه يشرح إن كان سعيدا
من عساه يشرح ما تخفيه من معنى كلمة: الوَجَع ؟

رؤوف أوفقير - 30 ينانير 1983



هذا الكتاب مروية عظيمة أحيى فيها الكاتب كل التفاصيل الممكنة. فحرك الأشياء والمواد والأفكار والمشاعر والأجساد حركة بطيئة ليعيش تلك الحياة مرة اخرى وينظر لها نظرة ثانية تلملم كل جزء إلى ما يتفق معه. وحتى يحكي كل شيء لنفسه أولاً ثم للتأريخ ولنا. عاش رؤوف اوفقير وعائلته ضدي الحياة. فمن النعيم العظيم في ظل القصر وبين أنظار الحسن الثاني إلى ابشع درجات الحياة في حبس ومطاردة دائمة كان هدفها الأول القضاء عليهم وكتم أنفاسهم وحصار أرواحهم وأنفسهم حتى يكونوا جثثاً ويمحى وجودهم ، لأنه هكذا أراد الجلاد. هذه الحكاية الشهيرة التي حفلت بها سنوات حكم الحسن الثاني من التقلبات السياسة والصراعات الداخلية بين الأجهزة الأمنية العديدة التي أدت إلى محاولتي إنقلاب عام 1971 - 1972 لم تكن لتظهر جلياً إلا بعد سنوات من رحيل الحسن الثاني. في توثيق مفصل وروائي لكل تلك الحقبة حكى رؤوف اوفقير " الضيوف".

عاش رؤوف الابن البكر للجنرال محمد اوفقير الرجل الثاني في مملكة المغرب حياته الأولى في نعيم، فقد أعطاه الملك محمد الخامس هذا الاسم وقبّله قبلة الحياة. ثم خاض تلك الحياة التي لم ير والده فيها كثيراً نظراً لعمله الدائم، ولكنه بقي قريباً منه حتى مع كل الحراس والأمن الذي يفرض على الأب والابن. يستذكر رؤوف جوانب تلك الحياة ويسرد الكثير من القصص في بداية حياته ويضع القارئ مواجهة مع طبيعة مناخ تلك الحياة. درس رؤوف سنتين من تعليمه الأولى في إحدى مدارس سويسرا المخصصة للطلاب النخبة بداعي الأمن ثم عاد إلى المغرب مرة اخرى بداعي الأمن. كانت حياة مغلفة بالحماية والراقبة وكانت تتقلب كثيراً وفقاً لرغبات الملك ، لأنه دائماً ما يقول : " أريد أن يعمل اوفقير في راحة .. لذا سأعتني بأبناءه". كان صادقاً. عاشت مليكة زمناً طويلاً كابنة الملك تحيى حياة القصر. 
وحينما كبر رؤوف خاض بدراجته النارية شوراع الرباط وذهب إلى تلك الشواطئ الخاصة الساحرة ودوماً برفقة حراسه الذين اعتادهم وصاحبهم وصاحبوه. لقد كان في الصفوة حتى انه في بداية حياته تلك أتلقى الممثل الامريكي ستيف ماكوين وزوجته وعقد معه صداقة نوعية. وتفاصيل اخرى كثيرة أراد رؤوف أن نعيشها تماما، على الرغم أنه بدأ مقدمة سريعة يعرف بها فوراً بسنوات السجن والاعتقال.

ولكنه اختار تقنية راقية في هذه الحكاية. أراد ان يحلل سياسياً كل الفترة ويخوض في توضيح صراعاتها داخلياً وخارجياً حتى يصل بالقارئ للأسباب التي أدت ما أدت إليه, وهذا وجه مقبول جداً فلم يرد أن يسرد الحكاية مجردة دون أن يخلق خلفية خصبة للقارئ كما هو الحال في " السجينة" وغيرها، ثم أراد أن يحكي حكاية السجن وسنوات الظلم البشعة بطريقة أدبية خالصة مهتمة جداً بالتفاصيل التي تعيشه وكأني اعيشها معه حقاً. فقد بدأ بالإعتقال ثم راح ينتقل بين التحليل السياسي وتوضيح المواقف والإشكالات ( التي تبين مقدار ما بحثه وسعى لمعرفة الحقيقية فيه بتواصله بعد خروجه من السجن مع من تبقى من رجال تلك المرحلة وأيضاً بقراءة واضحة لكل ما كُتب عن تلك المرحلة من كتب ومقالات وغيرها) وبين حكاية الألم المخيفة التي تخلق في روح أي كائن نوعاً من التعاطف والتألم. قد يعيب البعض عليه فرض كل تلك اللقراءة الطويلة لتلك المرحلة - والتي يفضل أن تكون بكتاب آخر مستقل- لقارئ أراد أن يتوحد مع تفاصيل الحكاية مجردة. ولكنه برأئي استطاع أن يأتي بالوقائع كاملة بالإتهامات والأخطاء والحجج والبراهين والقصة معاً لتكون في كبسولة واحدة ليفهم المتلقي السبب والمُسبب. وما كان وما كان أن يجب. وهذا أدى إلى امتداد صفحات الكتاب إلى ما يقارب 750 ، أتاح له الناشر أن يكتب ما يريد ، ولا شك أنه شرط كان رؤوف يقتنصه.


فنّد رؤوف على طوال تلك الصفحات ما اُشيع عن والده أنه الوزير البشع القاتل الذي لا يعرف الرحمة. وكانت تلك حجة قوية برهن عليها بكل الوقائع والقصص وما يمكن ان يُثبت. وكانت القضية الكبرى هي قضية المهدي بن بركة المعارض للمملكة والذي اغتيل في فرنسا، واتهمت  فرنسا أوفقير بهذا الاغتيال وحكم عليه غيابياً بالسجن المؤبد. هذه القضية التي لم تظهر أسرارها حتى اليوم. تكلم رؤوف كثيراً عنها، وافرد لها عدة صفحات في نهاية الكتاب. مبرئاً اوفقير من كل هذا. إنها الرواية التي قال رؤوف " لن ابرأ أبي لأنه أبي .. ولكن لأني أعرفه جيداً". لقد اخضعني رؤوف لفهم تلك الشائعة التي روجها الملك في المملكة بأنه الملك العادل وهذا الوزير القاتل. إنه الفزاعة التي يدير بها البلاد. وقال إن كل ما قام به اوفقير قام به بناءاً على أوامر الملك. وهذا لا يُخرج الملك من دائرة المحاسبة بل هو على قائمتها. بعض التفاصيل التي وجدتها هنا وهناك اقنعتني بأن اوفقير بطل الحرب الهندية الصينية وضابط الجيش الفرنسي والحاصل على أوسمة عديدة كان يتحلى بشيء من الخوف على البلاد. وهذا ما أدى إلى الصراع الخفي بينه وبين الملك -حين اعترض الأول على الفساد الملكي الذي يستشري وكذلك صفقات رجال الأعمال المشبوهة- والذي أخذ في الارتفاع حتى أشده في محاولة الانقلاب الثانية التي كان على رأسها اوفقير بشهادة رؤوف.

هل يصح أن أحكي لكم قصة رؤوف وعائلته؟ لا طبعاً. يجب أن تسمعوها منه. فهو الذي عاش؟ وهو الذي انتصر؟. لقد قضيت 5 ساعات في الجلسة الأخيرة لانهي الكتاب. احسست بالغبش في عيني والصداع في رأسي ولكني غرقت هائماً في تلك التفاصيل التي أحياها رؤوف فيّ. خاصة في الفصلين الآخرين " الهروب الكبير" - والذي استعار اسمه من احد أفلام مبنية على قصة حقيقة بطل الفلم هو صديقه الامريكي ستيف مكوين - و " الفرار". الفرار الطويل الذي يوحي في لحظة أنه لن ينتهي وفي لحظة اخرى أنه ليس حقيقياً وأن القصة بأكملها ليست حقيقية. إنها اللذة التي يكسبها العقل وهو يهيم في عالم من الخيال رسمه له كاتب متألم، يريد فقط أن يحكي قصته الغريبة. كيف كان السجن ؟ وكيف كانت 15 سنة منها ؟ و10 سنوات من الحبس المنفرد ؟ كيف هو الصمود .. والبقاء.. والتشبث .. والكرامة ..؟ حتى حين  تلاشت الحياة وخطى نحو الموت وقطع شرايين يده لينهي هذا العذاب المزمن، كيف تجذر بروحه من جديد. وأراد الحياة كما أرادته..؟ كيف هي لحظات الانتظار إلى أمد غير معروف ..؟ وكيف هو الانتصار والتعاضد مع اخواته وأمه وحليمة وعاشورا ..؟ كيف هي إرادة  الحياة .. والذكاء .. والاختراع .. في ظلمة المحنة ..؟ وحين كان الفرار .. كان هناك سجن آخر مخيف. تلك قصة أرجو أن تستمتعوا بها مع " الضيوف" - عشرون عاماً في سجون الحسن الثاني. وحين انهيت الكتاب شعرت بحنين إليه. كتبت لأخي في رسالة جوال ( إنها كتاب روحاني .. إنه كتاب أريده دوماً معي ). وبحثت عن رؤوف وعائلته في بحر الانترنت لم اقبض  على الكثير. أودعت القصة روحي. وحمدت الله كثيراً.


نهاية |

على متن الموجة الزائلة
أوليت طينة ذكرياتي
لِئلاّ أراها تطفو على وجهها من جديد
سوى الألم والحسرة.
إنها الريح الوحيدة، التي وشوشت روحي الموسومة بالأسوأ:
"إن جهودي وكل أسئلتي،
مهما بلغت قسوة الماضي الذي يمزقها،
تساوي الحظة الراهنة التي أتنسمها.."

رؤوف اوفقير، 30 يناير 1993














عن الكتاب :
( الضيوف ) عشرون عاماً في سجون الحسن الثاني
ترجمة: حسين عمر.
الدار: المركز الثقافي العربي.
السعر: 85 ريال سعودي.
abuiyad