قراءة في رواية ( عزازيل ).



غلاف رواية عزازيل




هذه الحكاية متدفقة بالروح. إنها آمنة. مطمئنة. تنقل ذلك الإطمئنان إلى ارواح قرائها. فنبقى كالفراش العابث بين زهر البستان. حتى نتلذذ رحيقاً صادقاً. هذه الحكاية تخاطب الروح والعقل. وتمازج بين اضطراب الفكر وضايع النفس حتى تقطفه كدمعة ثم تعود تلك الحروف لتعالج ذلك الاختلال. في عصر بعيد حينما كنّا لا شيء. سوى قدر سيأتي. ننتظر أن نخرج في ميعادنا. في ذلك العصر البعيد. ما يقارب القرن الخامس الميلادي. حدثت هذه الحكاية. كان زمن " هيبا". يتذكر في فصول الحكاية كل مرة، أمه التي خانت. وأباه الذي قُتل. وبلدته "نجع حمادي" على أطراف النيل. وكل تلك التفاصيل الأولى. ثم كيف خلى الزمان به. وكيف كانت أحلامه العظيمة أن يرتحل إلى الاسكندرية حتى يتعلم الطب ويدرس اللاهوت. وارتحل عن بلدته التي حنّ لها أخيراً. وحادثته نفسه ليعود إليها ويترك ما صار إليه. ولكنه مضى في رحلته نحو الاسكندرية لتبدأ مغامرته العظيمة من هناك.

حينما تقرأ هذه الرواية ستعلم أي ابتكار روائي قام به " هيبا" حينما بدأ حكايته من منتصفها ثم عاد إلى الماضي يروي أجزاءه وعاد للمنتصف مرة اخرى حيث يبتهج القارئ وراح يكمل النهاية في حلة تكوينية عظيمة. سحرتني جداً. كما سحرتني اللغة العربية الفصيحة والكلمات التي فهمتها ولأول مرة أقرأها. حتى شعرتُ أن العربية قد صُبتْ فيها صباً. اللغة البسيطة الواصفة المختارة بعناية لتناسب كل حال. وهذا ما جعل منها جزءاً سهلاً وهي تتحول في أجزاء إلى نقاش فلسفي. وخواطر ذهنية. وحديث نفس. أقصد بذلك الحوار المتواصل عن المسيحية. والمسيح - عليه الصلاة والسلام - واختلاف الطوائف والكنائس المسيحية حول طبيعة مريم العذراء وابنها المسيح - عليهما السلام-.

يبقى " هيبا" في الاسكندرية لمدة 3 سنوات. تغويه "أوكتافيا" ويهيم معها في قصر الصقلي، الذي تخدم به. ويصارعه ضميره والذنب الذي ارتكبه. هذا الصارع الذي جعله ميالاً لأن يكون راهباً. كانت الاسكندرية عذابه الدائم في حياته. وكانت ذكراها تعاوده دائماً بعد عشرون سنة. هناك سُحر بأستاذة الأزمان " هيباتيا" وعلمها في الفلسفة والرياضيات والكيمياء وغيرها ولكنها كانت وثنية. وهذا ما ادى لقتلها القتلة الشنيعة التي شهدها " هيبا" متسمراً مشدوهاً وتركت عليه جروحاً أبدية. فخرج هارباً من الاسكندرية بعد أن فقد كلتا المرأتين اللتين سُحر بهما. وعلى أطراف سيناء وفي مياه النيل الضحلة اغتسل ومنح نفسه نصف اسمه "هيباتيا" ؛ فكان الراهب " هيبا". وإلى القدس (أورشاليم) كان طريق رحلته. مارس الطب فيها حتى اشتهر واستقبله رهبان المدينة التي كان يحج إليها الناس. وهناك في صومعته احب الاسقف نسطور والذي سيكون له شأن عظيم. كان يخرج مع نسطور يسأله عن أمور الديانة وعن حديث نفسه . ونسطور يبتسم له ويجاوبه بما يرد عليه راحته ويطمئن قلبه. بقي في القدس عدة سنين حتى خرج منها نسطور فأراد أن يخرج هو . فأرسله نسطور إلى دير في طرف أنطاكية.  وارتحل مع قافلة تريد تلك المدينة. 

وبعد مدة قضاها في المدينة إتجه إلى الدير حيث سيقضي ما بقي من حياته في ذلك الدير المرتفع والذي كان معبداً، ما بين مكتبته وصومعته، ثم كوخ " مرتا". هناك و بعد زمن طويل وقبل أن تنتهي الحكاية اقترح عليه " عزازيل" أن يقضي أربعين يوماً في صومعته يدوّن ما كان من رحلته، وحياته، في رقوق من الجلد. فكانت تلك الحكاية العظيمة. وفي مقدمة الحكاية. وصف يوسف زيدان نفسه بالمترجم. لأنه قام بتصرف بترجمة تلك الرقوق الثلاثون بعد أن وجدت في صندوق محفوظ محكم الإغلاق بين آثار المعبد الخرب شمال غرب مدينة حلب. ووجد زيدان حواشي باللغة العربية في الرقوق تدل على أن الصندوق تم فتحه في زمن آخر من قبل راهب عربي في حدود القرن الخامس الهجري. ثم اُعيد مرة اخرى لمكانه، دون أن يذكر الراهب اسمه مع رسالة قصيرة تقول أن زمن فتح الصندوق لم يحن.  

هذه الحكاية تروي الصراع الذهني الذي عاش فيه هذا الراهب والأسئلة الدائمة عن ديانته. والتي كان يراجع فيها رئيس الدير هناك. ويناقش مع الرهبان الاخرين فيها. ولكنه مع ذلك وعلى الرغم من الصراع الذي اشتد بين طائفتي المسيحية في قولهم عن حقيقة المسيح إلا إنه كان يؤلف الأشعار والترانيم في الإيمان بالإله.  وكنت قد تتبعت بعضاً من هذا الحديث في الحكاية، ففي صفحة 72 :

" لم أحدق في التمثال كثيراً كيلا ألفت أنظار المسيحين ، والوثنيين المارين من حولي. لا يجب أن يلتفت إلي أحد ، لا من أولئك ولا من هؤلاء، وحتى من اليهود الذين يحظون في المدينة بكراهية الفريقين!. يكرههم الوثنيون لجشعهم، ويمقتهم المسيحيون لوشايتهم بالمخلّلص وتسليمه للرومان ليصلبوه.. ليصلبوه.. أتراه صُلب حقا؟ " هذا التساؤل الذي يترضيه العقل وترفضه الديانة هو من شاكلة من حير الراهب. واثار الكنسية اليوم بعد صدور الرواية. ثم في صفحة 95 ينسف كل ذاك التساؤل : 

" يا يسوع المسيح إنني أشعر بحرقة قلب العذراء .. ولوعتها عليك.. أحس بعمق عذاباتها ، يوم دقوا المسامير في يديك وقدميك المشبوحتين فوق الصليب".

صفحة 127 :
"كان فراغي موجعا، ووحدتي، أخذتني غفوة كتلك التي غلبت تلاميذ يسوع ليلة العشاء الأخير، بعدما أخبرهم بقرب رحيله عنهم الى الآب الذي في السماء".

صفحة 182 حينما التقى بالراهب خريطون قبل ان يصل القدس قال له الراهب :
".. ومعرفة المعجزات لن تكون الاا بالإقرار بتجسد الله وظهوره في المسيح".

صفحة 243 حديث الاسقف ربولا  للراهب " هيبا"وهو ينقل ما قاله نسطور في خطبته بعد ان تولى اسقفية القسطنطينة وكانت شرارة النزاع الذي ادى لعزله:

" يسوع إنسان وتَجسُّده هو مصاحبة ٌ بين الكلمة الأبدية والمسيح الانسان، ومريم هي أم يسوع الإنسان، ولا يصح أن تسمى والدة الإله، ولا يجوز أن يقال لها : ثيوتوكوس! "  وهذا الرأي الأول من الاختلاف حول طبيعة المسيح -عليه السلام- فيما اختلفت فيه الطوائف، الرأي الثاني والذي يرى به كيرلس اسقف كنيسة الاسكندرية، في صفحة 328 :

المصريون مصرون على أن الله تجسد بكامله في المسيح ، من يوم صار ببطن أمه. فلا إنفصال  في المسيح بين الالوهية والإنسانية، فهو إله وربٌ كامل تام".


لنخرج من هذا التيار الجدلي الذي كان جوهر الحكاية. ولذا فهو يتكرر حتى النهاية. وإليكم قطعة هائلة الوصف مع بساطتها جعلتني انكمش في غبطة حالمة. صفحة 164 :

" لما رميتُ الرداء، انزاح بعض الثقل عن روحي. كانت نسمات الضحى تماوج الماء الذي أخوض فيه، فأشعر مع تموجاته بأنني لا أسير وإنما أطير إلى أفق مجهول. لم يكن حولي شيءٌ، على امتداد النظر في النواحي الأربع. وحده الماء الضحل، يمتد في كل الجهات. قلتُ لنفسي بصوت مسموع، باللغة القبطية: هنا تمتزج الأرض والماء بالسماء، و من هنا سأبدأ من جديد!". 

ما أعذب الوصف. ما أحقنا بمثل هذا المكان وتلك النسمات، وما أجدر حياتنا بمثل تلك الغطسة الهانئة التي نصرخ بعدها بأننا سنبدأ من جديد. لقد كنت اهيم طوال أربعة أيام في هذه الوقائع التي كانت بحياة راهب طيب. صادق. وكنت اهيم بأفكاره وخيالاته التي طالما حدثتُ نفسي بها. فوجدته قريب مني. طوال هذه القراءة كان " عزازيل" ينصتُ له. ويأمره بمواصلة التدوين. حتى ينتهي منه. " عزازيل" الشيطان الذي يجري فينا مجرى الدم. جعله يفصح عما جرى بينه وبين " أوكتافيا" في الاسكندرية بوصف إباحي ناعم و جبار. وهو الذي أوقعه في عشق "مرتا" حينما بلغ الأربعين في الدير فأجتذبته بغنائها الساحر. وهيئتها الطفولية الملائكية. " عزازيل" هو الشيطان.

صفحة 214:
" .. ولما هجره الناس. سكنه عزازيل وابناؤه من الشياطين والأبالسة.."

صفحة 349 حينما سأل عزازيل عن أحب أسمائه إليه، بعد تحليل لأصل عزازيل، رد عليه عزازيل:
" كلها عندي سواء.. إبليس .. الشيطان.. أهريمان ..عزازيل..بعلزبوب..بعلزبول ..".

هذه فقط لمن قال أن عزازيل قُصد به في الحكاية حديث النفس. والخواطر التي تقوم في الفكر. 


* ذُكر الإسلام مرة واحدة في الرواية كلها صفحة 330  في الحاشية التي كتبها الراهب العربي، في قوله " المسلمين".





عن الكتاب:
الكتاب : رواية عزازيل.
الكاتب : يوسف زيدان.
الصفحات: 380.
الدار الناشرة : دار الشروق.


تصفح الرواية 


abuiyad