رِقّ




رِقّ |




منذ كانت الحيطان عالمه وهو يغرقُ في أطياف من الخارج. وصورةٍ لا كيفية يستلقي بين أحضانها. منذ أن كان عبداً في لعبة هذا الرجل وهو يستنزفُ عمره حرباً وخِداعاً. ثلاثون عاماً محجوباً في كونِ أبيه. نما كبُرعم البصلة الفاسدة في حِجاب عائليٍ معتم. هو والعبدول وأمه وشبح الحُجبة الأب. لم يكن يدري أن في هذه الحيطان منافذ إلى كونٍ آخر. تعاليمُ صغره تقول أنهم في كبسولة لا يمكن الخروج منها. الأبُ ناظم درّسه تلكَ التعاليم وقال له أن العتمة ستضيء في ميعادها وأن عليهم السكون في هذه الغرف الثلاثة انتظاراً. وتحجّم كونه في هذا الممر صغيراً يتحسس بأصابعه نتوءاته ويحادثه ويصطدمُ بنهايته. وحين بلغ الثانية عشرة سأله العبدول الأصغر ما حكمة ُ هذه الفتحات التي ترمشُ في وسط وجوهنا؟ . وأثار السؤال أسئلة. وانتظر سنيناً حتى كبر العبدول وتفرّد به في غرفتهما المنزوية في آخر الممر وهو يتحسس منابت شعره الجديد فوق فمه. ثم أجابه : ما هي وجوهنا؟. قال العبدول: أمي تقول هذه وجوهنا؟. أجابه: لماذا يا عبدول لدينا وجوه لا نراها؟ لماذا لم تكون مطموسة ؟ فنحن لا نحتاجها!. وفي مرات أخرى لمعت أسئلة اخرى تقهر هذا الحَجبْ المعتم. ثم كانت سنة الماء. حين عزلهما ناظم عن بعضهما وقد أنصت مرة في تجسس لأسئلة أكثر لمعاناً وتوقداً. سنة أو أكثر لم يتحسس أحدهما الآخر. كان بكاء العبدول يشرخ في صمت العمارة الخالية ويتهاوى كأعشاش العصافير المنحورة على أذنه. وهو يصب الماء عبر الممر ليفضي لأصابع العبدول المتلهفة في الغرفة الاخرى ليسكن ويصمت. ولا زال صمتُ أمه الطويل يبعثرُ ما جمعه من شتات تلك الصورة. وبعد العشرين كاد أن يعتقد بما خارج هذه الكبسولة حين طفت مياه الحمام الكريهة وتشوّق كيف يعالج ناظم المشكلة. حتى سمعَ صوتٌ هامسٌ لا يشبه تلك الأصوات الثلاثة. فباغت أبيه بالملاحظة وهو يقضم خبزه الناشف وانتفض ناظم لينقض عليه ويفقأ عينه والأم تتجرع بكائها في أنين. عاد يهمسُ لعبدول بشأن صوتُ الصرير الغريب الذي يكون كل ثمانية أشهر أقل أو أكثر بقليل. وعدّوا الأيام والشهور وتظاهروا بالنوم أياماً حتى كان صوتُ الصرير. وعانقه العبدول بفؤاد خائف. وفي أشهر أخرى همس له العبدول : أمي تقبض على يدي بشدة وتقول اسمك لم يكن العبدول. العتمة واللغز وممارسات الأب الجديدة والغريبة والهمهمات اللعينة والصراخ والكون هذا الذي يتهلهل سقفه على الرؤوس حسنوا تلك الصورة اللاكيفية من الخارج لمخيلته. وحين تمردا على الأب لما اهتز الكون كان القيد يتركهما أكثر عجزاً. القيد الحديدي الجديد. قال العبدول له: تقول أمي كان الزلازل الذي اهتز، ما هو الزلازل؟ فأجابه: لا ادري يا عبدول، لا ادري. وحينها تماماً. حينها فقط. كانت جَلبةٌ كالحلم وكونٌ ابيض آخر يتسلسل من الممر وأصواتٌ كثيرة غير هذه الثلاثة وخدرٌ مفاجئ وأضواء تشع من هذه النوافذ اجبرته ليكتم عينه من شدة البياض. " هل أنتَ بخير؟ نحن أمن الدولة ؟ وهذا الدجال سيُعاقب بالإعدام شنقاً؟ هل أنتَ بخير؟". ثلاثون عاماً في حُجبة ناظم الساحر ساحرُ أبيه وقاتله وفاقئ عينه. ثلاثون عاماً من بكاء الأم المسحورة. ثلاثون عاماً مع اسم جني ينادي به أخيه. فُكّ السحرُ عن أمهما وهي لا تذكر شيئاً ولكن التجاعيد تخلق في وجوهها صورته المفقودة التي وجدها.


12/1431هـ

abuiyad