نزهة في كتاب ( أخبار الحمقى والمغفلين )






هل تخيلت يوماً كيف عاش أناس القرون الماضية؟ في بغداد ومصر والشام والجزيرة واليمن ، كيف كانت أيامهم وليايهم وتفاصيل حياتهم ؟ كيف كانت طرقهم في الحديث والتعامل والتفاصل ؟ إن مما يشدني كثيراً لتلك الحياة هي العبّرة في المقام الأول فلا شيء من كل ذلك التأريخ يبقى سوى التأريخ ، نشأت أمم فوق أطلال اخرى وهكذا سنسير على هذا المنوال الذي هو سنّة الحياة وحكمة الله .. 

هذا الكتاب يذهب بنا إلى تفاصيل جزء من تلك الحياة فهو يخبر عن حكايات وقصص الحمقى والمغفلين الذين اشتهر بعضهم شهرة عظيمة، وربما اشتهرت بعض أخبارهم على مدى سنون وقرون. ففي أول أبواب هذا الكتاب الصغير يتحدث عن معنى الحماقة والفرق بينها وبين الجنون .. فيقول المؤلف " .. قال ابن الأعرابي : الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت ، فكأنه كاسد العقل والرأي ، وقال أبوبكر المكارم : " إنما سميت البقلة الحمقاء لأنها تنبتُ في سبيل الماء وطريق الإبل" ، قال ابن الاعرابي : " وبها سمي الرجل أحمق لأنه لا يميز كلامه من رعونته". ، ثم وضّح الفرق بين الحماقة والجنون وهو أن الأحمق مقصده صحيح ولكنه طريقه ووسيلته بها عيب وخطأ ، أما المجنون فلديه خلل في الوسيلة والمقصود معاً . 

مثل هذه الكتب استمتعت بكيفية مغايرة في قراءتها فلربما اتصفحها دوماً ولا انهي الكتاب ، أحب ان افتح الكتاب على صفحة عشوائية من الوسط ثم أقرأ وإن وجدتُ علامات على مرورٍ سابقٍ بها قلّبتُ صفحات اخرى وهكذا أجد اني في عالم لا ينتهي من الحكايات والأخبار والقصص، هذا الكتّاب يحكي لنا حالة الحمقى بلغة ربما يجدها البعض عالية وبها كلمات تحتاج إلى تفسير وأنا ربما مررتُ على بعضها فما فهمتها ولكني اتجاوزُها وربما قعدتُ ابحث عن معنى تلك الكلمة وفي الغالب فإن المؤلف يوضح بعض المعاني الغامضة ، وهناك إشكالية اخرى تتلخص في اختلاف طبيعة الزمنين –زمنا الحالي وزمن هذه القصص- وفهم الفكرة المقصوصة أو الخبر المحكي عن الحمقى فلربما تقرأ القصة ولا تفهمها لأنه للقصة حالة زمنية ووقتية قد لا تناسب العقل الحاضر فقد تكون أكبر منه فيصعب على العقل فهمها وقد تكون ببساطة غير واضحة لذات السبب السابق. 

ثم يتوسع المؤلف في أبواب بسيطة وخفيفة مثل " أن الحمق غريزة " و " اختلاف الناس في الحمق" وفيه (كل إنسان وفيه حمقة) : قال علي –رضي الله عنه- ( ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش) ، وكان مطرّف يقول ( عقول الناس على قدر زمانهم)، وقال سفيان الثوري ( خُلقَ الإنسان أحمقاً لكي ينتفع بالعيش). وحين اقف عند باب أسماء الأحمق اتعجب كم لغتنا العربية محيطٌ لا ساحل له، عالمٌ نقتصرُ منه كلما طال الزمن، سأذكر لكم بعض الأسماء التي ربما ستضحككم : " المائق .. الهجهاجة .. الهلباجة.. الماج..الأعفك.. الفقاقة.. الخوعم ..الأنوك.. الهنبك.. الجعبس.. الهتور.. عياياء..طباقاء.." والقائمة تطول ،ثم يذكر في باب صفات الأحمق ما لو قرأه كل واحد منّا لرأى أنه الأحمق وأنا لا أؤومن بهذا النوع من التصنيف فمثلاً يقول " قال الحكماء : إذا كان الرأس صغيراً رديء الشكل دلّ على رداءة في فهيئة الدماغ. قال جالينوس: لا يخلو صغر الرأس البتة من دلالة على رداءة هيئة الدماغ وإذا قصرت الرقبة دلت على ضعف الدماغ وقلّته" ، " قال الأحنف بن قيس : إذا رايت الرجل عظيم الهامة طويل اللحية فاحكم عليه بالرقاعة ولو كان أمية بن شمس"، " قال زياد بن ابيه : ما زادت لحية رجل على قبضته ، إلا كان ما زاد فيها نقصاً من عقله"، ثم يذكر عن صفات الأنف والشفة ، " قال بعض الشعراء: 

إذا عرضتْ للفتى لحية ٌ وطالتْ فصارت إلى سرّته 

فنقصانُ عقلِ الفتى عندنا بمقدارِ ما زاد في لحيته .. ". 



من صفات الأحمق الخُلقية : العُجبْ وكثرة الكلام. الخلو من العلم أصلاً . يفرح الأحمق بالمدح الكاذب .، قال بعضُ الحكماء من أخلاق الحمق : العجلة، والخفة، والجفاء، والغرور، والفجور ، والسفه، والجهل والتواني، والخيانة والظلم، والضياع، والتفريط، والغفلة، والخيلاء، والسرور، والفجر، والمكر. قال محمد الشامي : 

لنا جليسٌ تاركٌ للأدبِ *** جليسُه من قولِه في تعبِ 

يغضبُ جهلاً عند حالِ الرضى *** ومنه يرضى عند حالِ الغضبِ ،

 ثم يأتي باب في التحذير من صحبة الأحمق فيُقال " لا تؤاخ الأحمق" و " لا تغضب على أحمق"، وقد صُنفَ الأحمق عند تصنيف الأحنف بن القيس الشهير بأنه " رجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك أحمقٌ فارفضوه". 

أشهر حمقى العرب: أو من ضُربْ بهم المثل فيقال " أحمقُ من هنبَّقة" ، " وأحمقُ من حذنة" " وأحمق من أبي غبشان" وأحمق من حجا" " وأحمق من عجل بن لجيم" وغيرهم. وهناك حيوانات ضُرب بها المثل في الحُمق فيُقال " أحمقُ من الضبع" " وأحمق من أم عامر" " وأحمقُ من نعجة على حوض" " وأحمقُ من ذئبة" لأنها تدع ولدها وترضعُ ولد الضبع، وهناك بعض الطيور ضربْ بحمقها " أحمق من حمامة" " أحمقُ من نعامة" " وأحمق من كروان" لأنه إذا راى أناساً سقط على الطريق فيأخذونه، والعرب كانت تنظر لكل الكائنات بعين ناقدة ولذا فنحن نرى هنا كيف اختارت بعض الحيوانات والطيور ليُضربْ بها الحمق عن غيرها فلا شك إن صح بعض ما وُصفت به فإن للعرب أسباباً قياسية جعلتها تقيدُ ذلك في ذاكرتها. 

أخبار الحمقى: اخترتُ لكم البعض القليل مما وردَ في هذا الكتاب من أخبار الحمقى وهم ينقسمون إلى رجالٍ ونساء. 

1- هبنقة : واسمه يزيد بن ثروان، من حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف وقال: اخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به. فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟. واختصمت طفاوة وبنو راسب في رجل ادّعى كلّ فريق أنه في عرافتهم، فقال هبنقّة: حكمه أن يُلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة وإن رسب فهو من راسب. وكان إذا رعى غنماً جعل يختار المراعي للسمان وينحي المهازيل، ويقول: لا أصلح ما أفسده الله. 

2- أبو غبشان: وهو من خزاعة وكان يلي الكعبة، فاجتمع مع قصي بن كلاب بالطائف على الشرب، فلما سكر اشترى منه قصي ولاية البيت بزقِّ خمر، وأخذ منه مفاتيحه وسار بها إلى مكة، وقال : يا معشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل ردّها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم، وأفاق أبو غبشان فندم، فقيل" أندم من ابي غبشان وأخسرُ من ابي غبشان وأحمق من ابي غبشان "، قال بعضهم : 

باعت خزاعةُ بيتَ الله إذ سكرتْ ** بزقِّ خمرٍ فبئس صفقة ُ البادي 

باعتْ سادنتها بالخمرِ وانقرضتْ ** عن المقامِ وضلَّ البيت والنادي 

3- عجل بن لجيم : من حمقه أنه قيل له: ما سميت فرسك؟ فقام إليه ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور. 

4- جحا: ويُكنى أبا الغصن ، وقد رُوي عنه فطنة وذكاء . وقد قيل: إن بعض من يعاديه وضع له حكايات فيها من التغفيل والحمق، ما أجمل أن نقرأ الأمانة العلمية في كتب الأقدمين حتى في الحديث عن حكايات جحا. يحكى أنه مات له جار فأرسل إلى الحفارليحفر له ، فجرى بينهما لجاج في أجرة الحفر ، فمضى جحا إلى السوق واشترى خشبة بدرهمين وجاء بها، فسئل عنها فقال: الحفار لا يحفر بأقل من خمسة دراهم، وقد اشترينا هذه الخشبة بدرهمين لنصلبه عليها ونربح ثلاثة دراهم ويستريح من ضغطة القبر ومسألة منكر ونكير. وهبّت يوماً ريحٌ شديدة فأقبل الناس يدعون الله ويتوبون، فصاح جحا: يا قوم ، لا تعجلوا بالتوبة وإنما هي زوبعة ٌ وتسكن. ورأوه يوماً في السوق يعدو فقالوا: ما شأنك؟ قال: هلا مرت بكم جارية رجل مخضوب اللحية ؟ . 

أنا هنا لم أذكر لكم من الأخبار والقصص إلا ما يساوي أقل من 1% فالكتاب مليء ومتنوع بهذه القصص والحكاوي، اتمنى أن تحصلوا على المتعة والفائدة من قراءته . 

روابط:
تحميل الكتاب على صيغة برنامج صغير الحجم جداً : تحميل مباشر ::: تحميل من 4Shared :::
أو:
اقرأ الكتاب على موقع نداء الإيمان.





الكتاب: أخبار الحمقى والمغفلين. 
المؤلف: الشيخ أبي الفرج عبدالرحمن بن علي الجوزي. 
سعر الكتاب: 8 ريال. 
دار النشر: دار الكتاب العربي. 
تجدونه في جرير وربما العبيكان في فئة (صنف قيم وسعر منخفض) 






abuiyad