نزهة في أقصوصة "ألزهايمر".






كان من فوائد تأخري بضع دقائق عن موعد الرحلة ثم انتظاري بمطار الملك عبد العزيز يوم الأربعاء الماضي أن قرأت آخر أعمال الراحل العبقري غازي القصيبي –رحمه الله- تحت مسمى (ألزهايمر) وصنّفت بين معكوفين بأقصوصة، وقد استدعى فيها شخصية يعقوب العريان المعروفة من (حكاية حب) و (رجلُ جاء وذهب) ولكن يعقوب العريان هنا يذوي مودعاً حياته وذاكرته في رسائل يبعث بها من أمريكا إلى زوجته "نيرمين" حاكياً لها تفاصيل حياته اليومية فيما أسماه بـ "مكان" لا يشبهه شيء، صُمم خصيصاً لمرضى ألزهايمر ليجدوا عناية فائقة على أيدي محترفين، تلك الرسائل هي أشبه بفواصل نصية أراد أن يحكي فيها القصيبي جرعات تثقيفية وانتقادية وأراء شخصية في فضاء حكاية لم يبخسها بعض تفاصيل حياة العريان الأخيرة المرضية، فكانت أوائل الرسائل تعرّف بمرض ألزهايمر وكيف اُكتشف المرض؟، ويستمر الحديث عن المرض في الرسالة العاشرة فيحكي عن تجارب مريرة وعن كتبُ ألفت عن المرض، ويستشهد بحالة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان.

ثم يشخّص العريان المرض ويعاينه مع زميله في "المكان" البروفسور ديمري ديلنجر، هنا وفي أجزاء أخرى من الأقصوصة يظهر الأسلوب الروائي المشهور للقصيبي والذي اعتمده في "العصفورية": النفس السردي العَجِل– التلاعب بالكلمات والجمل العربية والإنجليزية- مخاطبة الخواطر والأفكار- القراءة التحليلية للشخصيات المشهورة. ويختبر العريان المرض في إحدى الرسائل وهو يحكي لزوجته قصة زواجه الثاني حين يحاول أن يتذكره ويتذكر اسم زوجته الثانية ولكن دون جدوى كما اختبره في مدخل الأقصوصة وهو يحاول أن يتذكر اسم عطر زوجته حتى خرج دون أن يحصل عليه.

تبدوا جلياً أراء القصيبي في قضايا المشهد السعودي والعالمي في الأقصوصة فحكى عن الاختلاط والسياسة الأمريكية ومعايشات تأريخ العرب واليهود وإن كان لم يتجاوز إلى مزيد من الاستطراد والتحليل ولكنه بقي في إطار مريض ألزهايمر الذي عليه التشبث بالذكريات والواقع وإن كان أليم حتى يقاوم المرض، تحدث أيضاً عن بعض جوانب الحياة الاجتماعية والتربوية فتحدث عن المراهقة وكيف أننا أستوردنا هذا المصطلح من الثقافة الأمريكية حيث لم يدرِ به آباءنا وأمهاتنا وعاشوا في نعيم الزواج وتحدث عن طرق الأطفال للفت الانتباه والاهتمام بهم.

ومن أجمل أجزاء الأقصوصة السطور الحاكية عن تجربة المرة الأولى والمرة الأخيرة، المرة الأولى لكل شيء كيف كانت. في صفحة 71 : " عزيزتي ، منذ ذكرى البلوغ وذكريات "المرة الأولى" تهاجمني بعنف.شيء غريب. منذ سنين، سنين طويلة، لم أعد أتذكر متى فعلت هذا الشيء أو ذاك الشيء "للمرة الأولى". " تزعجني ذكريات "المرة الأولى" لأنها تجيء ثم تتملّص وتهرب قبل أن تتكشف. معظم هذه الذكريات غادرت الذاكرة منذ زمن وحلّت محلها ذكريات لاحقة"، تغيب عن العريان ذكريات المرة الأولى بينما "اليزابيت جرينجر" إحدى ساكنات " المكان" تعاني من مشكلة تذكر المرة الأخيرة "، يختم القصيبي "ألزهايمر " برسالة مقتضبة من الدكتور جيمس ماكدونالد إلى زوجة يعقوب العريان يبلغها بوفاة زوجها أثر نوبة قلبية حادة ومفاجئة. مرفقٌ معها هذه الرسائل.




ودّع القصيبي محبيه و قراءه بجمال أدبي آخاذ لم يخلو هذا العمل من جاذبية شخصيته الأدبية وحبه للعلم والبحث، كان القصيبي يعاني من عقدة العمر وتقدمه في السنين ويعبّر عن كل ذلك بأريحية تامة عبر قصائده ، وها هو على فراش الوداع يحكي لنا الوداع، رحمك الله يا أبا يارا.

تظهر في الصورة بعض ورقات النص بخط يد القصيبي.





                     موقع جهات أدبية مشكوراً أدرج الموضوع ضمن أهم المواضيع المعروضة في لوحته المتحركة.

abuiyad