قراءة في رواية (تلك العتمة البَاهرة).


مدخل خفيف:

ربما ترددتُ كثيراً لأكتب عن هذه الرواية. فكل مرة أعتقد أن الوقت والمزاج الكتابي غير مناسبين، وأيضاً خوفي من إجحاف الموضوع حقه  .لكني  تشجعت هذا المساء لذا سأسرد بعض ما يدور في خاطري من رؤى وسأحتفظ ببعضها  لنفسي. الطاهر بن جلون روائي فرنسي معروف. استمع لحديث أحد الناجين من سجن تزمامارت السري المدفون في الصحراء في زمن الملك الحسن الثاني. وقام بكتابة تلك الرواية عن حياة هذا الرجل، فكأن الطاهر جسد روح وحياة هذا السجين وقال عنه شيء تلك المأساة.وقد كنتُ انجذبتُ لحكاية المغرب وسجونها بعدما قرأت "السجينة" لـ مليكة أوفقير منذ 6 سنوات، ثم كتبتُ قراءتي عن سجن تزمامارت السري بعدما شاهدت حلقات أحمد المرزوقي في برنامج "شاهد على العصر" عدة مرات. والآن هأنا أكمل بعض معالم الطريق بـ ( تلك العتمة الباهرة ).

وآخر:
اُنشأ سجن تزمامارت السري في السبعينات الميلادية بعد محاولتين فاشلتين لاغتيال ملك المغرب الحسن الثاني، وبعد تصفية الرؤوس والمحاكمات جيء بعددٍ ممن تبقى منهم ليتذوقوا طعم الموت البطيء مهما امتدت سنون عذاباتهم، تزمامارت سجنُ من عنبرين في كل عنبر ما يقارب الثلاثون رجل. " المرزوقي" كان في أحدهم ، وصاحب هذه القصة في العنبر الآخر. وحينما وصف "المرزوقي" عنبره  أثنى عليه وعلى سكْانه مقارنة بالآخر فقد خرج أكثرهم أحياء. بينما في هذا العنبر الآخر نجى فقط أربعة رجال من ثلاثين لقوا مصرعهم في السجن على كيفيات مخيفة.

في وحدات متينة من الهذيان والصمود كان نص الرواية يفيض في كل مرة، فكيف يحكي رجلٌ لنا معاناة 18 عاماً من الظلام والألم والتجرّع. كيف يصف لنا البقاء؟ والصراع؟ والوداع؟ والهواء؟ والغذاء؟ والضحك؟ والبكاء؟ والوقت؟ والصوت؟  والموت؟ والتجمد؟ والتمدد؟ والضعف؟ والخوف؟ والإيمان؟ وكم سيتغرقُ كل هذا من الصفحات؟ ومن الزمن؟ ، ولذا فقد كان أسلوب الرواية مبدعٌ للغاية. أن نَضيع في تلك الدوامة مع المشاعر والوقائع والأفكار والأحلام . أن نترك لأرواحنا أن تتخيل كل ما كان بكيف ما أرادت.

فنذهب مع تلك الحروف ليَصف لنا جيرانه من حوله من سكان الزنازين.وقد أطلق على كل واحدٍ منهم لقباً. فنستمعُ لأنفاسهم الخافتة داخل رؤوسنا ثم يضج أحدهم بصرخة صامة أو يرتل أحدهم القرآن. وربما سمعنا وقعِ أقدام أحد الحراس يدلج لدهليزالموت هذا. ثم في حين آخر يَصمت الكل إجلالاً لقدوم ملك الموت حتى يقبض روح أحدهم. وهنا يرحل صوت هذا الميت وتُحفر له حفرة ثم يُصبُ على ما تبقى من جثته الكلس الحارق ليختفي أكثر.

منذ مطلع الرواية لم تتوقف محاولات استدعاء طيف الأب. الأب مهرج الملك. الأب الهارب من أسوار الأسرة. وكيف حاوره كثيراً حتى أتاه في حُلمه. وكيف يكون أباه رفيق الملك وهو في سجنٍ لا يعلم عنه أحد؟ وكيف يرضى أباه بذلك؟ وهل يعلم به؟ وهل لا زال حريفاً في اضحاك الملك؟ كان هذا الهاجس يعاند الروح الصابرة كثيراً. وهو هاجس حقيق بالتعاطي معه. فلعل بين طياته يولد أمل. ويخرجه الملك لأنه ابن مهرجه.

وتوالى خيال الأم أيضاً، ولكنه لم يزحف نحو المقارنة. كان يناجي أمه. حبيبته في تلك العتمة. كان يتذكر شقاها مع والده.وعبء عملها. واهتمامها بأولادها وبه. يقول في إحدى السطور :
( كنتُ أتوغل في صمت الجسد وسُكونه، أتنفس عميقاً وأدعو النور الأسمى الكامن في قلب أمي، وفي قلوب الصالحين من الرجال والنساء، وفي أرواح الرُسل والقديسين والشهداء، في أرواح الذين قاموا وهزموا الشقاء بقوة الروح وحدها، والصلاة اللدنية، تلك التي لا غاية لها، تلك التي تحملك إلى مركز الثقل في وعيك الخاص ).
هذه المناجاة والخروج من علة الجسد إلى دوحةِ الروح لمعالجة الألم الذي يعتصر بها وبالجسد نفثت أياماً جديدة في عمره.بعد أن اصبح من تبقى منهم ينتظر الموت حقيقةً. كان يرتحل حالماً مرات ومرات حتى تصل روحه إلى الحجر الأسود ليقبلّه ، كانت روحه تلامس الحجر. وكان يُحس بسعادة اخرى.

   
 أحمد المرزوقي                                      الطاهر بن جَلُّون                                                                                                         
             


في الرواية أشكال من الواقعية التي عاشوها. يُقبل الضَحك كما يُقبل الألم. وتُعفْر وردة الأمل حين تصعد روح أحدهم. استدعى من ذاكرته الخيال والواقع. ووصفَ لمستمعيه في السجن القصور ولياليه القديمة.  كان أحد السجناء يعيش يومه على ذلك الخيال. وربما جُنّ لو لم يُسمعهٌ وجبة اليوم قصة ٌ جديدة.
ثم الأحلام التي تراوده. الأحلام الغريبة. كيف تشكلت وكيف استطاع أن يبقيها في ذاكرته حتى يحكيها لنا. إنها غريبة لتلك الدرجة لتحيى. الحُلم تلك الجنة من الخيال. إنه السَفر خارج أسوار السجن سراً. كيف كان يعيشه ويفسره ويحيكه لأصدقاءه. في صفحة 105

( رحت أردد مثل هذه العبارات في الحلم الغريب الذي رأيت فيه صورة الملك مقترباً مني وسمعته يقول : " إنهض! أعلم أنك لا تستطيع أن تقف على رجليك. إن فعلت تصدمُ رأسك بالسقف. إذاً، إبق مقعياً، واسمعني جيداً: لا تسأل مجدداً في سرك، إذا كنتُ أفكر فيكم، فلديّ أشياء أخرى أفعلها غير التفكير في لٌمامة من الخونة والعصاة. لقد رفعت يدك على مليكك- أعلم أنك لم تستخدم سلاحك- فعليك أن تندم على فعلتك ما حييت، أن تعلم ببساطة كيف تندم، في هذه الحفرة، حتى قيام الساعة. وهذا ما سيكون. لقد أساء والدك تربيتك، أما أنا فسوف أفعل. لذا إيّاك أن تستحضر صورتي مجدداً إلى هذه الحفرة النتنة. إني أمنعك من التفكير فيّ أو أن تجمل صورتي مع وجوه أخرى!" )

السؤال الأخير: كيف كانت النجاة.. وكيف تحرروا. وإني لأتذكر "أحمد المرزوقي" وهي يحكي إلتقاء ما تبقى من سجناء العنبرين بعد 18 عاماً من العزلة بينهم. قال عنهم أربعة رجال ما تبقى من الانسان غطتهم شعورهم يمشون على أربع وهم في حالة مزرية من فظاعات ما حلّ بهم. اتمنى لك قراءة ممتعة في هذه الرواية.


* بعد انتهائي من القراءة كتبت فوراً  على ظهر الصفحة الأخيرة:

..للمرة الثانية أقرأ رواية واقعية بهذه المرارة لتزيدني إيماناً بأن هذا الكون الذي نعيش فيه ملئه الألم كما يملئه الأمل..كم كان الإيمان بالله منقذاً وأوقى من كل شرور البشر.  6/11/1431هـ...

عن الرواية:

* (تلك العتمة الباهرة) - الطاهر بن جلُّون - صادرة عن دار الساقي.-بيروت.  
* ترجمة: بسام حجار.
* السعر: 37 ريال سعودي - مكتبة جرير.



* كانت معي هذه النسخة الإلكترونية ولم استطع قراءة الرواية إلا بعد أن اشتريتها.
* أرجوا أن تشاركوني ماذا كتبتم على ظهر الصفحة الأخيرة بعد انتهائكم من القراءة.


تحياتي


abuiyad