تَكنّفْ





















في سَفحِ "تَكَنّفْ" المستوي يرعى غنمه في ظلٍ حتى منتصف النَهار।। وفي الحقيقة هو لا يرعى الغنم فقد تَعلمَ سبيلها كطُرقْ النمل وتعودتُه كما تعودتْ تسلقه بأظلافها الملتوية فلا يخشى عليها من جروفه الصخرية والكلب الحارس يراعاها بعناية. يقضي ساعة الصباح يستحم أو يسترخي في ماء العين الناضبة. فغورها لم يعدُ يخفي جحَرُها. والعين الأخرى في رأس "تَكَنّفْ" تتخذ طريق وعر خطير. ولكنها الملاذ الأخير له. وقد أدرك منذ البداية أن الجبال تتجدد وتعيش دهوراً حينما يتركها الإنسان كما هي. فالعين في عطفة الصخر الغائر عادت تتدفق مياه يانعة. ليُعيد حظيرة الغنم بجانبها من جديد. يعيش وحيداً ويُرجفه عواء الذئاب في الجبل الأدهم المقابل. فسوداه ينم عن خديعة مخبأة ولكنه لا يكترث كثيراً إلا حين يخلده لنومه. يجول "تَكَنّفْ" ويستكشفه كل مرة ويُذهل به كل مرة. حتى في ذاك النهار لم يكدْ يُدرك ثمن اكتشافه. وأخذ يضحك في صدى يصاحبه. يطلُ من أعلى السفح ليرى ربان الحقول والنساء يطوفوا بمزارعهم ليعيشوا ليومٍ آخر لا خوف لا نزاع لا ضجيج. وتمر من أمام وجهه جموع النحل نحو طرودها بقربان رحيق الزهور فلا يقدح بقلبه سوى ألم اكتشافه. واستغرق في سنوات خبرته الماضية يحقق ويـتأكد. ولما انجلى الأمر له. تخطى تلك الحقول وصعد الجبل الأدهم يتحدى ذئابه ليزور الصديق القديم. اجتمع به في كهفه الحصين لاحظ نحوله وضمور وجهه لكنه ألقى بين يديه حجر أبيض. وفي شهور أخرى كان أكثر جرأة حين اجتمع بأهالي القرية وجلب صديقه لينذرهم بزمن أخر لن تنمو فيه حقولهم وستهرب أغنامهم لأعلى "تَكَنّفْ" لتنفق هناك أو تأكلها الذئاب في جبل صديقه. واتفقت القرية. وكان سرها. وفي ليالي الصيف الأخيرة كانت الذئاب تزور غنمه. فعاد ليطمئن على صديقه. فألتقاه جريحاً يلفظ أنفاسه. ورث عنه بندقيته والعمامة الغبراء ودُفن بمقبرة القرية. ثم عاد مراراً ليتثبت من عزيمة أهل القرية. وراح يتقنص الرحلات الاستكشافية في "تَكَنّفْ". والغرباء الآخذين في الازدياد. نضبت العين تماماً ليتشارك مع غنمه وكلبه عين الحظيرة الصغيرة. أحاطه الخوف. فتحول لوحش مزعج لهؤلاء المستكشفين. وانتصر فرحاً حينما اتلف إحدى مركباتهم بصخرة كبيرة وقعت عليها متدحرجة. شاركته الذئاب فناوشت والتهمت بعضهم . وصمد أهل القرية وصعد بعض رجالها معه ليساندوه. أخبرهم أنه يشعر بالأمان قليلاً فلم يقتربوا حتى من منجم الفحم الذي اكتشفه. وفي جزء السنة الأخير قَلْ الغرباء بل انعدموا تقريباً وفي تلك الأيام وصل للقرية فتى يبحث عن أبيه. فسلمَه بندقية أبيه واحتفظ بالعمامة. ودرّت أغنامه حليباً غنياً لذيذاً. وفي فصل المطر في السنة الجديدة كافأته القرية وأعجبت به ولكنه بقي مع غنمه في الأعلى. وقبّله "تَكَنّفْ" قبلة كبيرة فتدفقت العيون حتى دخلت أحواض الحقول. واختفت الذئاب. وراح يَعَبْ الحجارة داخل المنجم ويخفي معالمه بالشجر وتربة الجبل. وانتعشت صباحاته في العيون تخالط أنفه روائح الزهور وينصت لأصوات الطيور ويهيم في ظل الأشجار الوفيرة. فانجلى خوفه وراح يترنم كسابق عهده بأغنية "تَكَنّفْ" الوحيدة:

في الصباح يرقد طير المساء
فأغرق في لون الضفدع الملساء
وأنادي الشجرة الكبيرة
ما مات جدي ما مات جدتي
مات يا "تَكَنّفْ" الوفاء

في منتصف السنة حينما توقف المطر وحين صباح أيقظته أصواتٌ حديدية وتأوه "تَكَنّفْ". في طريقه رأى أغنامه تدور في عجلة بين أخشاب الحظيرة. كاد أن يُجن الصوت يأتي متأخراً من زمن البطء. لا أحد في الأسفل. الطريق خالية. والأهالي خاملون في حقولهم. من أين يأتي الصوت؟ من رأسه. من أين؟ وتسلق جروف "تَكَنّفْ" الحادة لم يتسلقها منذ شهور طويلة. وتجاوز العين برأس الجبل وقد أدميتْ قدميه ويديه. ومن أعلى قمة "تَكَنّفْ" أبصر بعينيه جرارات وجرافات الصخور الحمراء والصفراء تحفر طريقاً متعرجاً ليتجاوز الجبل ويصل القرية بالعالم. فأسَلم نفسه للضجيج. وساق غنمه لـ"تَكَنّفْ" آخر يرحل عن ظهره قبل أن يخترقه الضجيج. أدار ظهره ماضياً والجبل يلفظ أنفاسه.


13/6/1431 هـ


abuiyad