او
















ينهض المارد من أفياء الراحة ويعتلي صهوة الذنب فيه. تتغشاه نوبة الخوف الشديدة.و يُصارع فيها ندوب الماضي العالقة بقلبه. الصحراء أرض المذنبين وبيته الشاسع أيضاً فهي تخفيه عن أعين الثائرين. وتسترهُ أردية الليل في طريق هربه الطويل. لا شيء سوى الذنب يعذبه في غفوات الضحى المتقطعة. وحين يستفيق مارده ليلاً يعالج الذنب بآخر أشد بؤساً وفتكاً ودموية ً. إنه الدواء بالداء. أغنية المارد في نزيع السحر. وعليه أن يغنيها معه كل ليلة ليبقى حياً.وحين كل مرور عابر أو قافلة صغيرة. ليقطع الطريق والأعناق ويصرخ فيه المارد صرخة الغُنم اللذيذة. بات قصاصاً خبيراً يباغت المُرتحل قد شحذ خنجره. بعباءة سوداء وعمامة دس بها وجهه. يتربص بالغنيمة حتى يطوّحها فيشعر بالأمان من الثلة الشاردة نحوه لتنتقم. خَلقه ليلُ الصحراء أثيماً غاضباً من نفسه. يناجي مارده بشأن الفتك وتغلبه في الضحى نداءات الحنين والعودة والتوبة. ولكن "او" يوصد تلك الأبواب ويُمهد له الطريق ويساعده في شوارد القوافل الصغيرة. وفي كل مرة يجر الجثث المتنافضة تلفظ أرواحها ويُطلق النساء. يتفحص الوجوه في الضحى. لا أحد منهم. مضت ثمانية أعوام. أنصت لحُدّاء القوافل يذكرون اسمه في أغانيهم. وتذكر توسلات العابرين بين يديه. ولكن " او" في وجدانه لا يتوقف. وحين قرر ذات ليلة أن يُكفّر عن نفسه ويعود توعده المارد بالخنق وبالخناجر المسمومة وخشبة الصلب. فانكفأ أشد فتكاً بالطريق تحمله بغلته العجوز. في الأشهر الأخيرة كان يجمع ما يسلبه ثم بحث عن مغارة في سفح الجبل القزم وقدم نفسه كزوج للفتاة التي ذبح زوجها فرفضته وولت لطريقها ثم عادت له ضحى اليوم التالي تلعن زوجها العاجز. وتخلف " او" عن مراسم الزواج البسيطة لأنها كانت قبل غروب الشمس. ولكنه بارك له في العتمة ليلتها. استوطن الجبل القزم وقل نشاطه. كان يرسل زوجته لتنشد الماء من القوافل وتتحرى عما يحكيه الناس عنه. كاد يلتهي عن الثائرين خلفه وكيف قتل شيخهم الغازي. وفي أيام أخرى طال فيها الليل شعر بالخوف القديم. أخبرته زوجته بعدد القوافل التي لم تعد تهاب الطريق والعابرون الذين يخلدوا للنوم على تلال الرمال. ولكنه لم يأبه لهم وتعالى صوت العودة والتوبة بداخله وأحاديث الاشتياق التي تناوشه لقريته وأمه. أصبح ينام قرير العين في مغارته والليل يدفئه. وذات ليلة بدرية أخبر زوجته بسره الدفين وعزمه على الرحيل والعودة وحكا لها عن قريته وأمه وأنه لن يُقتل لأنه ثأر لمقتل أبيه وربما أن الناس نسوه وظنوا أنه مات. وعلى ضوء البدر الفضي رأى دمعها يتلألأ فرح كثيراً ثم قالت له " آن للتائب أن يعود سأكون رفيقتك". لم ينم داخل المغارة تلك الليلة . كان نائماً فوق الجبل حينما بركت عليه وجزّت عنقه والمارد ينتفض فيها ويصرخ صرخته الصامة. اختارها " او" بعد أن رأى تهالك الرجل وتراتيل التوبة التي تعذبه فهجره لامرأة أشد ذنباً وأعظم خوفاً. كانت تقتل الجميع وترش شجرتها بدمائهم. ووجدها "او" أعظم منه فتوجها بنفسه وتهاويله حتى قضت على زوجها كما قضى على زوجها. وكان الطريق قد خلى وقل به العابرون. واتخذوا طريقاً آخر أكثر أمناً رغم الذئاب الضارية التي تسكنه. فجهرت المغارة وانتقلت مع "او" تسفك بالذئاب وتتربص من جديد. لتعالج ذنباً وخوفاً يسكنها كما كان زوجها. والمارد "او" ينهض فيها كل ليلة.





نُشر في مجلة رقمات الثقافية ص 16 - العدد الأول.





abuiyad