فراغ


نحيل الجسد يمشي مشية الخائفين في تضاريس وجهه عبوس دائم تنبض عضلات فكيه كإشارة القلق يلتفتُ خلفه بين الفينة والأخرى اعشبت الوساوس في رأسه تستوقفه رشاشات الماء بالحدائق وتعيده طفلاً لا أحد يحصل على ثقته ، الناس من حوله وحوش تخاصمه لقمته ومن يقترب منهم أعداء يرّقبون نزواته. دوماً هم كذلك بالنسبة له. يحصد ساعات فراغه في النوم ومراقبة المسترخون على الشاطئ أو يحصي دورات المروحة بأعلى السقف. عند المَساء يخرج متخفياً في إنسان آخر. يرتدي بذلة جديدة وحذاء جديد سيستقبلها العم "عبده" نهاية هذا الأسبوع. لا ديمومة لهذه الملابس. هذه البذلة تناسبه تماماً رغم نحوله وضمور جسده. يستغرق في عينيه أما المرآة ويختبر ابتسامته الوحيدة. يسعد بالأناقة ولطالماً قلّد فيها والده. تفتح أشرعة المدينة ليلها له. لا يستقر به مكان. ينسل من مرقص إلى ملهى ومن حانة إلى بار. لا يتحدث سوى مع الساقي ليحضّر طلبه. ولا يغريه من السيقان العارية وصخب الموسيقى إلا أن يكون وحيداً في هذا المهرجان الليليّ. غارقاً بكأسه الحارق. أنهى ليلته في ملهى " السمّار" الوديع والبسيط عند الناصية. تقدمت نحوه فتاة صاخبة الألوان وابتسمت له. عرف فيها فتاة الأسبوع المنصرم. ولكنه لم يبادلها الابتسامة ظل متجمداً في مقعده. ثم غادر. عند نهاية الشهر حقق نجاحاً مبهراً في قسمه مع " عزمي" كافأتهم الشركة وقَبِلَ دعوة " عزمي" للاحتفال. ارتدى بذلة جديدة وتلقى العم " عبده" أسفل العمارة ملابس جديدة. كان العشاء البحري لذيذاً بالنكهات الحارة الهندية. بقي الحديث بعيداً عن شخصه. كان حديثاً خاوياً بالنسبة له. فهو لا يتحدث حقيقة إلا مع نفسه. منتصف الليل قاده " عزمي" إلى شارع الملاهي توقف عند " السمّار" عُزفتْ الموسيقى ودُقتْ أصابع البيانو .ارتدى وجهه ابتسامته الوحيدة يُحيي بها الساقي الذي حياه فوراً. خامره شعور الوحدة الغريب. نظر بعين متدلية للفرح يكتنز روح " عزمي". ثم حضرت الفتاة صاخبة الألوان. أشاحت بنظرها حين وقع عليه. ولكنه بادلها الابتسامة القديمة. أثارتها فأقبلت نحوه وقبلته. توسدت روحه. وجُنّ بها للحظة. توالت نخوب الحب الجديد التي شربها ثلاثتهم. انتقلت للعيش معه. وسهل له العم "عبده" نقل العفش والتستر وكل ما يلزم. تحدث إليها كثيرا عن المستقبل وتجاهل الحديث في الماضي. كفّت عن العمل وبات هو زبونها الأوحد.فعَمُرتْ شرفته المطلة على الشاطئ بليالٍ طويلة حمراء. ولكنه لم يتزوجها. ربما لأنه لم يجد ذلك الشغف في عينيها. وربما أنه اكتفى منه. وسَعُدَ بشهر كامل دون يشتري بدلاته الجديدة. فعبس العم " عبده" وتكدست القذارات عند باب شقته. بحث كثيراً عن العم " عبده" ولكنه اختفى. حمل القذارات بيديه وألقى بها خارجاً لأول مرة. شهرٌ كامل لم ير ساقي " السمّار" ولم يفتقده أبداً. وداعاً لتلك الليالي السحيقة. عاد من عمله منتصف الأسبوع باب الشقة مفتوح ولا أثر لقصة الحب الجديدة. وكل ثمين بها اختفى حتى حذاء الحمام. أخذ يقضم شفتيه ويتماسك ليستوعب الأمر وفادحة الضرر. فراغ . كل ما حوله ينبأ بالفراغ. كل ما بداخله فراغ. استلقى فيه تدور عيناه مع دورات المروحة. وقد تصلب تفكيره دون تقدم أو تقهقر. أدار محرك السيارة سيجدها في "السُمّار" أو سينتظرها هناك حتى يأتِ المساء. ولكن لا وجود للملهى. محل لأسماك الزينة حل مكانه. لم يخطئ الشارع. إنها مؤامرة. قاد سيارته في اتجاه معاكس. اصطدم بالمركبات ولكنه تقدم. الناس تمرق أمامه بسرعة هائلة وتنظر فيه بابتسامات ساخرة ومشفقة. الحقيقة عند "عزمي" سيقول لي كل شيء. الحمد لله ها هي بناية الشركة. ينطلق مسرعاً مستقلاً السلم حتى الطابق الخامس. هاهو مكتبي وهاهو "عزمي". صديقي وحبيبي.

- عزمي .. هل رأيت فتاتي؟

- ما بك؟ حالتك مزرية جدا. تعال معي.

- اسمعني أرجوك. هل رأيتها. هل تذكرها. ملهى " السمّار" اختفى. هل تصدق ؟ قام مكااانه محل آخر .. محل للدرجات النارية .. لا .. محل لأسماك الزينة...

- أي ملهى أيها الكهل ... لا ملهى في بلادنا...

- عزمي أرجوك .. أنت الباقي من كل هذا ... تلك الليلة بعد العشاء الحارق ألم نشرب نخب حبي الجديد.

- ههههههههه ... أنت مضحك على غير العادة .. هاك بعض الماء .. وقل لي قصتك.. بهدوء..

- الشرطة تطاردني.. لم أجد " السُمّار".. واختفى العم " عبده" .. كل شيء اختفى.. حتى حذاء الحمام.

في اليوم الثالث من التحقيق معه اعترف الكهل بأنه كان يرتاد ملهى " السُمّار" كل ثلاثة ليالي على الأقل في كل أسبوع. وأن الساقي هو من كاد له هذه المكيدة. ويتهم الفتاة بالتعاون مع العم " عبده" لرمي القذارات عند باب شقته. وأن " عزمي" صديق الطفولة هو صديقه الوحيد وهو من أنقذه.

1431/6

،

اللوحة بريشة المبدعة هتون المطر
الصفحة الخاصة بها على Flicker


،




abuiyad