بَاحةُ المَوتْ iii .. قِراءة في تَزْمَامَارتْ..

















- مدخل: أرض الأزمان॥ أرض الصبر॥،،،،



الآن تُنسج الحكايا بصمت في ظل غفلة الناس في حياتهم وانشغالهم। هناك في مكان ما يكتب القدر مأساة لا ندري عنها كأنها تكون في كوكب مواز للأرض ولكنه بعيد عنها حيث تنقطع بيننا الأصوات وتجف شعشعة الضوء وتبرد العروق . على أرض واحدة ولكن كل في كوكب آخر سيار. الآن ككل الأزمان يخيط الصمت جدار ممتد نحو السماء هائل بين أناس الربيع وأشقياء الخريف فيرتع الربيعي في دهره وهو يسب الربيع غير راضٍ به. ويشيخ الخريفي في لحظة واحدة هي كل أزمانه لن يهرب منها فيحمد الله عليها. الآن ككل الأزمان يقبض الظلم خنجره في سطوة وتعالٍ يجرجره باقرا في دهاليز العتمة صفاء نفوس وأركان من الإيمان. فلا تلتقيه سوى وحشة الظلم ولا تلتقي المظلومين مثل لذة الصبر ولحظة انتظار الظفر. الآن ككل الأزمان في كل الأوطان تُعنوَنُ حياة إنسان في كلمة ينطق بها انسان آخر يمضي هذا ينطق بالكلمات ويمضي الأول سجينُ تلك الكلمة كأنما نُقشتْ على جبينه بحجر حاد . يقف الحاكم كأنه آله في غرورٍ بَشري سافل يشير بإصبعه نحو المحكوم ينطق فقط. فيموت المحكوم موتة واحدة ويموت ألف مرة لا يدري ما هي تهمته. الآن ككل أزمان الأرض هناك من يعاني في صمت دفين حتى يهلك لا يعلم عنه إلا الله. ومنهم من قد ينجو فيبقى صامتا كالجثة الخرساء الملقاة لا يعلم عنه إلا الله. على هذه الأرض تُجتزء الأعمار كالأوراق من وسط الدفتر بكل بساطة وغفلة وغباء. لتعيش هذه الأنفس أعمار مقصوصة من الأصل كأنها أنفس نُحرت لتحيى . على هذه الأرض جرأة تكفي لتحرق الأرض في هفهفة ثانية كأن لا رب ولا بعث ولا حساب. هذه الأرض تحكي لكم حكاية من بحر تلك الحكايات خلف ذلك الستار . حكاية لربما اليوم أو الغد يحتضنها مرة أخرى أو أفظع منها . وأنا اتسائل كيف للأرض أن تصبر كل هذا وفوقها أزيزٌ يجتر من حلقها الحياة ويطعن في غمدها العذاب الأحمر. حُقَ لنا معشر البشر المساكين ألا نستمع أنين المعذبين تحتها . عذاب من عذاب. نسأل الله أن يكفيناه. هذه الحكاية هي كالخيال . لن احكيها فأنا لا اعرفها . أنا فقط سمعتها. وأريد أن ابكي فيها. ولها. أنا هنا أبكي فقط. فالحروف في حَرَمِها كذبة يجب أن تُحرق.استمعوا لإبكائي إذن إن شئتم॥

مدخل ll :
....
وُلد يحب والديه ॥ أباه يعمل مساعد قاضٍ وللقضاء في حياة ابنه حكاية.. تربى تربية دينية رَكَزتْ فيه أعمدة صلبة من الايمان والصبر والتأمل حالت بينه وبين الخضوع والانحدار لمصيره حين أظلم نهاره متواصلا بليله.. ولأن ابن عمه وزوج أخته كان وطنيا ً عاشقا لهذا التراب فقد اغرته أحاديثه عن حب هذا الوطن والدفاع عن ترابه .." وبالروح .. بالدم .. نفديك يا وطن ..!"..كما يحدث كل شيء .. التحق بالأكاديمية العسكرية بعد خذلان العرب في هزيمة 1967। ومضى الوقت وهذه الروح تنظر المجد في افق كل صباح في ظل صراعات دول مع مستعمريها. تنشد الاستقلال لتمارس الاستغلال . فكان الدم حارا وطنيا بالنسبة له. تخرج منها عام 1969 برتبة ملازم ثاني. نظر للشمس على أي ثغر سيفدي وطنه ويحميه. عند الصحراء في الشمال في الوسط. أين سأكون ..؟! .لابد أن لي قدر كغيري. وقدر عظيم. يسجله التأريخ في سطوره المطموسة. وانتظر . حتى التحق في بداية السبعينات بمدرسة أكثر تطوراً وملحمية ً وضخامة ً. انها مدرسة عسكرية خاصة تقع في جبال الأطلس هناك بعيدا عن رتم المدنيين الكئيب. كأنها درة وسط عالم مجهول تنير له. انها " أهرمومو". القلعة . مدرسة عسكرية متخصصة في تخرج أفواج الضباط على قدر عالٍ من القدرة والكفاءة والانضباط والمسؤولية والمثالية . لقد كانت الأولى. كان يقودها مئة رجل في شخص واحد اسمه الكولونيل محمد أعبابو. ويجب الا يكون غيره. خُلقتْ فيه صرامة ُنظام ونظام روح متأنية وصامتة تنم عنها برودة جبلية في أحلك اللحظات. لقد اُعجبتْ الرجولة نفسها بأعبابو . وتشربوه التلاميذ في المدرسة. وكانوا لابد ان يتشربوه على أية حال..! وإلا كانوا ليشرقوا به. وكان الكل عنده سواء التلميذ كالضابط المعلم الكل سواء في صرح الصرامة.في نهاية العام المتواصل ليله بنهاره عملاً في أهرمومو كانت المؤامرة قد تشابكت خيوطها على أعلى المستويات. بدأت الفكرة بخَطرة. قام الجنرال المذبوح طاهر اليد والفكر المقرب من الملك وهمس له: هناك فساد ..! أقال الملك عدة وزراء. قال له المذبوح: أقصد في العائلة..! صمت الملك. طهارة الفكر لدى الجنرال تدفقت . واجتمعت الرؤوس الناقمة . اجتمعت أطياف شتى . خليط. من أجل استقلال حقيقي للشعب. من أجل النزاهة والطهارة. من أجل الطمع في الحكم والسلطة. من أجل المال والشِبع. محمد أوفقير وزير الدفاع واليد اليمنى للملك والرأس المدبر لعلميات الانقلاب دوما . الجنرال محمد المذبوح أحد الضباط المرافقين للملك. الكولونيل محمد أعبابو مدير مدرسة أهرمومو وأخيه امحمد . خرج التلاميذ نحو مناروة نهاية العام التي اقتدتهم نحو المجهول. تجاوزت بهم الشاحنات الطرق والبساتين والغابات واقحتمت طريق آخرى كطرق كوكب المريخ الأحمر. اُصدرت الأوامر . وتنكرت الرؤوس في ملابس صيفية. ثم عسكرية. اُطلقت أول رصاصة من مسدس محمد أعبابو على حارس القصر قتلته. غير أن الرصاصة التي استقرت في كتف أعبابو لم تقتله. بل وضع يده عليها بكل برود ليوقف الدم المفجوج من بين أصابعه. وفي قصر الملك البهي حيث يحتفي أمير المؤمنين بعيد ميلاده لتبارك له الشمس والقمر وكل البشر. الكل يحتفل والكل يلعب الغولف. ضاحكين. والتلاميذ والضباط في حرب مع أنفسهم الحائرة. ولكن أعبابو قد علمهم الآلية مفصولة عن أدنى حق بشري من التفكير. خرج التلاميذ بذخيرة حية. اختلطت الأمور على المذبوح. شده الملك . وكان يريد انقلابا أبيضاً. كيف يريده كذلك ورفيقيه قتلة محترفين. رصاصة طائشة مقصودة أردته قتيلاً بعد ملاسنة شرف وخوف وتردد بينه وبين محمد أعبابو . واستلم القيادة الميدانية هذا الأخير. الجو تكسوه الغيوم. والبحر يفيض . لا يدري أحدٌ ماذا يريد.؟. التلاميذ اشتبكوا مع بعضهم . ظنوا أصدقائهم العدو الذي قال عنه أعبابو. صمد الملك وعاد لعرشه.


تابع المدخل ॥


الفوضى العارمة هي التعبير الأقل خيالاً। موائد طعام وشراب فاخرة. وزراء وسفراء ورؤساء دول. وخدم وحشم وجيش ودرك. مغنين . لا يميز أحدهم الآخر كأن بالونة لون الرماد تفجرت. من خرم رشاش كأنه الويل تنطق رصاصات الموت فتستقر عشوائياً في جِراح الخوف الذي قد هبط بأطنابه. أحمد المرزوقي بطل هذه القراءة. ينقذ ملك المغرب الآن وهو طفل. بطولات تحدث في مطر هطال من العشوائية والتشوش. الكل يستأذن لينجو. وبعد هنيهة برود وصارمة ابصر محمد أعبابو أن كل شيء قد انتهى. ولمح أكباش جاءت من السماء. جنرالات يكرهها. انزلهم من فوق من السيارة. قال باحترام للكولونيل أبو الحمص: تفضل يا كولونيل.! ولما نزل. نظر بعين سادية لأحمد وقال: اقتله.! حلت السماء هنا وارتقت روحُ أحمد كملاك. وفي ثانية أوهم أعبابو ان الرشاش لم يساعده.تعطل.توقف. حدث شيء ما. وأعبابو لن يمهل الكره في قلبه ثانية أخرى للكولونيل.انتشله من هذا العذاب تلميذ نجيب وقتل الكولونيل.هذه بطولة ربانية.!واجترت المدرسة ما بقي منها واتجهت للقيادة العليا في الرباط. خرجت من القصر. ونسيت الملك ومن كان من أصل الأمر.عمت الفوضى.و كأن أعبابو يسوق تلاميذه نحو نحرهم.ونحره. أراد أن يجول ويصول فيما تبقى من قطرات حياته. ثم استولى على الإذاعة. أراد أن يفرح الناس لو للحظة بالخبر المنتظر. ولكنه قتل المذبوح واهدر من بعده أنصاف الفرص والحلول. إنه الآن كسيلٍ أسود عرمرم يجرف لحظاته التي شاخت بغتة ولحظات من حوله بالسواد بهدوء غريب. فجأة وصل امحمد أخ أعبابو وقد كلفه بالبقاء في القصر. وتوقفت الشمس تشهد دماء ثائرة. واشتدت الملاسنة بين الأخوين. فكر أعبابو انها النهاية أتت. هذا كان عندما عاد للقيادة العليا. ثم بعد لحظة. تحرك الجيش لصالح الملك. واقبل رئيس أركان الجيش البوهلي ليسوي الأمور وليس على أدل من ذلك بدلته المدنية. سبه أعبابو. طلب منه البوهلي ان يسلم نفسه وينهي المسألة. كان أحمد يتربع المنظر من الأعلى. البوهلي عند الباب وأعبابو بالداخل. هبط طيف الموت مرتين. انطلقت الرصاصاتين في لحظة واحدة كالبرق. سقط
البوهلي. وأعبابو واقف. لم يسقط. ألم أقل لكم لقد ابصر النهاية مؤكدة في عيني أخيه. فالتفت إلى عقا. وهنا أرى المسرحية الناقمة تطل من عيني أعبابو وأشتات من ضحكة سترحل ويريدها أن ترحل الآن. وأرى أيضاً ذلك الجبل اللطيف والصلب في روحه يأبى الانكسار. قال لمساعده عقا: اجهز عليّ.! أيقتل عقا رجلاً احبه وأغراه بمنظر ذلك الجبل الصامد. استغفر عقا اللحظة. انه يحلم فقط. قال أعبابو: انه آخر أمر اصدره إليك.! ومضى الجبل.عادت المياه. تحرك الملك فوق الكرسي ليتأكد من وجوده تحته. والآن غضب. لابد أن يغضب. تم القبض على الضباط. اعدم البعض. حوكموا في محكمة الملك الغاضب.كان جزاء أحمد 5سنين. 5 سنين لأنه كان جاهلاً بالأمر..5 سنين لأنه حلم بأن يحمي الوطن. واودعدوا في سجن القنيطرة بالرباط. لمدة سنة. ثم بعد سنة حضر ضيوف طيارون.ولهم قصة أخرى لكن القصتين التقت معا في حفرة واحدة .ثم بعد سنة اخرى. جاءت جنة القنيطرة تودعهم. وداعاً كسيراً. لُفوا وتم إيداعهم في النسيان لفترة. حيث لحظة العذاب القائمة. رحلة إلى بقعة في أطراف الدنيا. بعيدا. هناك. حيث لا احد يدري. ولا احد يسمع قصة الأنين. في أرض مغضوبة شُيد تزمامارت من أجل هؤلاء.



المدخل lll:


...أتعرفون الإشارات।؟! والعلامات.؟! تلك التي تضوي في جانب من حياتنا فلا نلتفت له. ربما تضوي مرة واحدة أو أكثر من مرة. وإنها قد تحكي لنا حدثا مهما سيقع في صفحات حياتنا أو غدرا نتقيه. هناك أناس ينظرون للسماء فيتنبأون بالمطر ويأتي المطر. نحن نجهل ونفقد هذا الجزء من حياتنا. هنا من يحقق ذاته ويُصر للأخرين أن فيه رتبة تميزه عنهم ويمارس مع روحه لعبة تحدي لذيذة.لدي أخ يمارس الاستبصار دوما. ودوماً ما يُذهلنا. وخاصة في الأرقام. يجب علينا أن نقسم على الاقتراب من أرواحنا والتعرف عليها أكثر من أي شيء. فإن التصاق أرواحنا بأجسادنا يجب أن يُنهي غربة الروح بتحقيقها في هذا الذات.كنتُ امارس المشي في طريق نفسي. نظر إليّ أخي شحتة كنعان بهدوء " أعبابو" الصارم وقال: أسمعت بأحمد المرزوقي؟ وقال كلاماً ولكني لم أسمعه. لم أنصت.تركني في غربة هاجعة وصمت لم يحكي شيئاً.عدتُ له يوماً. قال: أسمعت بأحمد المرزوقي؟ قلتُ في نفسي: ما هذا الحلم الآخذ في التكرر. كأني سمعت هذه العبارة. صدوقني لم يصرخ كما أصرخ أنا هنا في هذه الصفحة. وعندما كنت أمارس التأمل في ليالي بيتنا. قاطعت اللحظة . هبطتُ. استغرقتُ في الوقت. اُنتزِعت روحي من معاني سخيفة نعيشها كل يوم إلى حيث حياة مفعمة بالحياة. لم ارَ حياة مثلها. أما نحن فنعيش قصة الموت الدائمة. رحلتُ مع الأحمدين. طوال ثلاث أو أربع ليال. استجلب من اللحظة صدقها فيّ. وأشكو إلى نفسي نفسي المتهدمة. وادمنت الاستغراق في الوجه والقصة والحكاية والرواية.قرأتُ معاناة روحي في حرم هذا الرجل وأصدقاءه. توحدتُ معه. انزجرتُ منه. أطل عليّ " أعبابو" " هاه॥ أين وصلت..؟!". الان ادركت معنى تلك الاشارات في حياتنا. التي نوليها جانبا. ونحضن لحظة التسمر والغباء..شكراً.. لكَ شحتة كنعان.



-1-


لقصة البقاء التي تعيش فينا ولحديث النسيان الذي ينثره الزمن تتنفس أفياء هذه الرواية। في ليلة مشئومة وعند الثانية صباحاً وقفت الربوع الخضراء في سجن القنيطرة تلوح بكف ناعمة لهؤلاء الرجال. بعد سنتين قضوها في هذا السجن بالعاصمة الرباط. اُقتيدوا في جلبة صارمة. الكل هنا صلب. دون أنفاس. إنها أشباح مأمورة وخائفة أيضاً. وهواجس المجهول تدق عظّمة الروح. عُصبت الأعين وكُتفت الأيادي ومن الشاحنات اركبوا طائرتين. والسواد يحكي نفسه.وفي هول المجهول يهمس جندي سادي قائلاً لبعضهم " سنرميكم في البحر.!". الحديث حرام. تجتر اللحظات نفسها ببطء خامل. طالت المسافة. ثم هبطت الطائرتان. ومرة أخرى كبقايا القاذورات يُرمى بهؤلاء الضباط والطيارون في الشاحنات.لامست أشعة الصباح الأخير أكوانهم. وفي باحة شاسعة نهضت بنايتان كأعقاب الشيطان. هناك في الصحراء وخلف الجبال حيث لا أحد يرى ولا أحد يسمع مهما اشتد الأنين وتعالت النشجات. إذن وأين الله ؟!. لازال هاجس المجهول ينهش تلك القلوب. دخل مُقدم ليعاين البنايتين وبعد أن خرج قال بتهكم " يمكن للإنسان أن يعيش هنا". يمكن للشهب أن تُحرقك. يمكن للأرض أن تبلعك. يمكن أن تموت منسياً في أرض قفراء. دخل أحمد المرزوقي العنبر بعد تفتيشه مع زملائه. وفي العنبر هذا تقابلت 29 زنزانة . 15 زنزانة تقابلها 14 أخرى وباب العنبر. دهليز العنبر مظلم لا يعرفه الضوء. نسيه النور. وبعد أن أزيلت العصابات. كان الخواء قاتلاً. وصرير بوابة المجهول تنفرج عن نهاية غامضة. أودع كلُ رجل زنزانته ثم صُفقت الأبواب. لتصك بها بوابات حياة الماضي. وتُبعث حياةٌ أخرى لا حدود للعذاب والألم فيها. تحسس المرزوقي جدران زنزانته بيد تتحسس معها هواجس النهاية ورنين أجراس الرحيل. ثلاثة أمتار في مترين ونصف والارتفاع ثلاثة أمتار. مصطبة هي السرير امتدت عليها غطاءان كانت تستخدم كوقاية تحت سروج الحمير والبغال.باب حديدي به ثقوب لا تتجاوز العشرين. هي المنفذ الوحيد للهواء والضوء مع ثقب أخر في أعلى السقف .الخرسان العتي يقف محاصراً من خمس جهات. وفوق سقف اسمنت الزنازين هناك سقف أخر من الزنك مثبت بقوائم خشبية. صحنٌ ووعاء للماء. بجانبها ثقب ضيق جدا هو المرحاض. سجين في عتمة ضاربة سرمدية لا يرى ما يأكله يقضي حاجته في عذاب متسلسل. وتناوشه الظلمة والحصار والبقاء لمدة 18 عاما وثلاثة أشهر هكذا. لكم ألا تتخيلوا॥!. كرر المرزوقي في شهادته " لعب دوراً كبيرا...." . لقد لعب كل شيء في حياة هؤلاء دوراً كبيرا . تحجمت الأشياء لتناسب كونٌ اخر. المرحاض لعب دوراً كبيراً في حياة أحدهم أتدورن كيف؟!. قضى 11 عاماً مشلولاً في مكانه يقضي حاجته على نفسه. كانوا يضطروا أن يقضوا حاجتهم في الصحون حتى يمرروها في هذا الثقب الضيق. إن لهذه الرواية لتتمة. "هي .. غار أو بئر أو قبر.." هذا وصف المرزوقي للزنزانة.


يخضع هذا السجن لقوانين خاصة। إنه يقبع في المجهول ويحفه المجهول. حتى الحراس غُيب عنهم أمد الحبس. إنهم مساجين المسجونين. يفيق وعي هؤلاء الرجال في تزمامارت على هذه الحقيقة. حياةٌ كالفناء لا تنتمي لتلك الحياة أبداً. واستغرقت فترة الوعي بالحبس سنيناً. دار الوعي ودار ولكنه اصطدم بخمسة جدران من الخرسان وباب حديدي فتوقف خيط المستقبل بل وانكفأ للماضي. عادوا للماضي يحيوا المستقبل. كان كلهم ذوو شأن طيارون وضباط. قد يهمس البعض. حياة خائبة.!. لا لم تكن كذلك بالنسبة لهم. على الرغم من تلك العتمة الطويلة. لقد خرج نصفهم تقريباً أحياء. متمسكين بالحياة. وفي دورة الوعي هذه. خرج بعضهم عن تلك الدائرة. المرزوقي أخذ يضرب على باب زنزاته ما يقارب أربعة أيام متواصلة حتى خار بسبب ألم ضرسه. لم يسمعه الحراس. وعندما تكاتف زملاءه منعوا من الطعام والشراب. رسمت هذه القوانين الجديدة قوارب النجاة لهم. وفي الفترة الأولى لسجنهم كان رئيس الحراس. رجلا كريماً. تحبه الأرض والسماء. كان رحيماً بهم. وشى به نائبه وسُجن أحمد خربوش ثم طرد من الجيش. وتلقى الرسالة باليد أخرى حارس فاضلٌ أخر اسمه محمد الشار بدوي. كان خربوش قد ربط التواصل بين بعضهم مع عائلاتهم. فالعزلة الكاملة والتكتيم العام عن مكانهم عقدت لغزاً. وبعد ذهاب خربوش تطاول الشيطان في أعين الحراس. فانسلخوا من آدميتهم. يقبلون إلى السجناء ثلاث مرات في اليوم في الصباح وفي الظهر وبعد العصر. ويكون الاختفاء التام. ليستنجد أحدهم من المرض بالموت. أو يخور في ظلمته صامتاً أو ينهار أو يهذي. إنهم ليسوا هنا. أقبل الشتاء وحشٌ يمارس سطوته الطبيعية في شكل عذاب زمهريري تتصدع له عظام هؤلاء البشر.لابد أن الملك عند موقده وخدمه يقدمون له الدفء.سأكتفي بما قاله النقيب بن الكبير أحد هؤلاء الرجال عن ذلك الشتاء." إن حياة السجين غدت صراعا لا يتوقف ضد البرد، فالشتاء جليدي والثلج يتساقط في تزمامارت، يستيقظ السجين وسط الليل وهو يرتعش فينصرف إلى رقص مجنون ليدفأ، كما أن صرير الصفيح وهو يتقلص يعطي لتلك اليقظة طابعا شيطانيا". النوم مخلوط بعدمه ومشوبٌ بأنين الارتجاف. الكل يصارع البرد القارس. يبقى مكوما على نفسه حيث الروح التي تتردد ولا إنسان. صرخات وشهقات وأنين وبكاء في كومة العذاب الليلي يتنفس الموت في تزمامارت. كان حال العنبر الأخر أسوء من هذا.و لكن العذاب هو إنتظار تلمس برد الليل لأجسادهم لتعاود الشهقات ويتوالى الانهيار. قال المرزوقي عن جحيم الشتاء هذه الآية واصفا الحال॥" ..لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا..". لقد كان الصراخ مكتوماً في صحراء شاسعة. ولكن الله يسمعه. حل الصمت بأرجاء حياة اُريد لها الموت البطيء. والكلام بينهم هو الذي يجعلهم في عيش دائم. تزودا من أرواحهم . نظموا حياتهم. لا يدورن لها نهاية. ولكنهم جعلوها حياة على طريقتهم. حفظوا القرآن الكريم وتدولوه فيما بينهم. أخذ كلٌ يركب ذلك القارب. كان المرزوقي يقص القصص ويغني أيضاً. ظهرت المواهب في الخياطين. كان هناك المضحكين والساخرين. كان الصراخ هو وسيلة تواصلهم. عاشوا معاً في عزلة. أول لقاء لهم أتدرون بعد كم كان؟!. بعد عشر سنين. يا ربي رحماك.


-2-
حلتّ سحابة الصيف تتابع مشوار الأنين। كانت الزنزانة حقل تجارب مباشرة مع الآدمي. إلى متى يصمد. هل هو ضعيف حقا؟. كيف يستسلم؟ وكيف يخور منهاراً؟ في دورات زمنية متتالية من الأجواء المتقلبة الحادة. الصراصير والبراغيث والبق والعقارب والأفاعي فوج من الحشرات أيضاً ينازعهم على بخار الأوكسجين داخل الزنزانة في غيظ الصيف. الحذر والقرف والرائحة المنبعثة من أجسادهم وهؤلاء الزوار استنجدت بطهارة الماء. انقضت الأمراض تنازعهم نسمة الحياة. في رسالة لأحدهم تسربت من السجن هذا جزء منها يختص بذلك"صحتي متزعزعة، فقدت أسناني، معدتي التهبت، أتبول أكثر من 12 مرة في اليوم، الأكزيما تقرض جسمي بكامله. كن مطمئنا أنا لا أخشى الموت، ما أطلبه هو أن يأتي مترفقا وفق ضوابط الإسلام". نخر المرض أجساد شابة وعقول سليمة. فعصفت رياح الجنون بهم فقد بعضهم السيطرة. تعاقب الألم في دورته بالمرض. الإسهال المزمن أمراض الأجهزة التناسلية أمراض القلب أمراض الجلد البواسير إلى آخر القائمة.لا دواء أو طبيب أو إنسان. كان الخلاء المظلم يكر مع اللحظة ليمارس الموت.اني لم أعد أتخيل هذا؟ّ عقلي عجز تماما. أكاد أهرب من لحظتي في مكان أقضي به 5 دقائق فقط. فما بالهم سكنوا السنون في مكانهم. الحلم أم الصبر أم الإنسان أم الأمل أم الإدراك أم ماذا أمدهم بدفعة المواصلة. مجرة العقل تسترجيني الا أتخيل أبداً.وحل طيف الموت في العنبر الأخر. طيار أخذ يضرب الباب ثلاثة أيام متواصلة حتى فتحتوا الباب فسقط رافعاً راية الموت كنذير يقصم الأمل بقصاصتيه. توغل الرعب رغم الأنين. هذا الطيار كان قد حزم حقيبته للسفر لأمريكا. لديه زوجة وبنت. وكانت فراشة الأمل ترفرف فوقه وبوابة المستقبل للتو فتحت بابها له. فكان تزمامارت. وللطعام حديث آخر بشع. فمع اعتياد المعدة واللسان على وجبات الفول المطعمة بالسوس وماءه المطبوخ فيه. والشراب عصير طحين الفول وقهوة وخبز كان هذا الفطور. وأماوجبة العشاء فكانت من العجين غير المعجون. قال أحمد المرزوقي"المرء لو أطعم الخراف أو الحمام يوميا فإنه سيعاف الحمام، فبالأحرى ناهيك بطعام لا يعطى، يعافه الكلاب". دائرة الألم المغلقة تماما حتى في الطعام جعلتهم يسدون أنوفهم حتى يمرروا هذا الطعام. هذه الصورة التي رسمها المرزوقي تشبت بذهني كثيراً. وأُعلنُ بعدها حمداً متواتراً لله على كل نعمه. والكثير مما لا نعلمه. حصار الروح والجسد ومحاولة حصار العقل وأذية أجهزة الهضم بهذا الطعام جرم بشع وأداة حيوانية مارسها الشيطان في شكل هؤلاء الحراس وآمريهم الشياطين. كانت الأيام تصارعهم على أرواحهم وتمتد بهم ولا ترحمُ المتخاذل أو الخائف أبداً فهو يقع في مصيدتها ويلقى مصيره في زنزانته. ولمعت في وحشة الظلام بروق الصبر وتحلق الأصدقاء حول بعضهم يساند كلٌ صاحبه في روح جماعية أحيت هذا العنبر بالذات. كان لابد أن يعلو الإنسان هنا في أرقى مستوياته وهو يعيش في باحة الموت.وحياة لا يرتضيها الحيوان.وبانتهاء عقد السبعينات كان الجميع تقريباً قد حفظ القرآن الكريم. في هذه العتمة أنار القرآن القلوب وسكنها إيماناً. احضر لهم الحارس طيب القلب صامت البكاء العربي الويز المصحف وبطاريات للراديو الذي كان مع عبد الكريم السعودي. ومرتين في الأسبوع فقط يُخرج السعودي جاهز الراديو الصغير ويستمع للأخبار ثم يتجه لتلك الآذان المتلهفة لأي جديد. أي شيء من ذلك العالم الذي بدأ ينمحي في عقولهم وتتلاشى صوره المخزنة. ولابد أن هذه الأخبار حصلت على تدفق تحليلي لم تحظى به في غير تزمامارت.إنهم كانوا يعيشوا الخبر بخيال أوسع وأوسع.ومن القصص التي حضنها تزمامارت قصة محمد الغالو ( أيوب تزمامارت). هذا الرجل عندما سمع بتفتيش مداهم للزنازين حطم جهاز الراديو الذي معه وخبأه في فتحة المرحاض ولكن لم يتم التفتيش. فتوقفت حياته وانعكفت عليه تحاصره فكان يعاني صارعاً في تمريره فضلاته بسبب تلك الأجزاء المتكسرة في فتحة المرحاض الصغيرة. ولم تجدي محاولاته لاستخراجها. فشُلّ تماما إلا يده اليمنى. وعندما تطوع المرزوقي ليساعده. كان الغالو في أسوء الحالات. يخرج منه الدم والقيح والصديد والبول والفضلات ويقضي حاجته وهو في مكانه وكان قد أصيب بالروماتزم مع البرد. وقد التصقت ملابسه بجلده ولحمه بالاسمنت. وحين أراد المرزوقي أن يخلصه من الملابس خرج الجلد معها مفصحاً عن العظم.ولكن أتدرون بسمته وضحكته وكان يغني لأصدقائه. وفيما بعد، وبعد محاولات قُدمتْ له مساعدة طبية بسبب تدخل أمريكا في القضية وتعاقب على الجلوس معه أصدقاءه وهو في نفسية مرتفعة حتى مات . قضى 15عاماً في السجن 11 عاماً منها كان مشلولاً. رحل في نهاية الثمانيات. رحل يحمل صوتا جميلاً ودنيا من الصبر والتجلد. بالله كيف كان ذلك الإنسان॥؟! أريد أن يحكي لي تلك القصة وأن يعلمني شيئاً عن الحياة التي أعيشها. رحمك الله يا محمد الغالو وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة.


وحتى تأتي النهاية। فالأرواح الصابرة تتردد في أجساد بالية. لترتفع نهارات وتُساق ُ ليالي في غمضةِ عين الزمن. وهذا الكَرُ الأليم لمنظر أجمل سنين العمر وهي تُغتال يكتم ُتلك الأنفاس. قلتُ أن الجنون قد حلّ. وتخبطتُ في سؤال عصيب حول مصدر تصبرهم॥؟!. ولكن لنلقي نظرة أقرب في باحة واحدة يجمعها الموت والجنون ولا عزاء. توقفتْ عقول بعضهم عن الدوران فور دخول تزمامارتْ فجنوا فوراً حتى ماتوا. ولكن ميمون كان عاقلاً.هادئاً. مقاسياً لفحيح الظلم كالجميع. بقي كذلك ما يقارب الخمس سنوات. وفي انحناءة ِيومٍ جاءه النبأ. ولهث عقله خارج مداره. سبعة قضوا في العنبر الثاني. ولم يكن مات في هذا العنبر سوى رجلٌ واحد. وكان من السبعة أصدقاء لميمون. فتطاولت عينه الإدراك وأيقن بالموت في ظلمة صامتة. دون نعش. أو عزاء. أو وداع. أو أناس. فجُنّ. وقامت معه الدنيا يطرق على باب زنزانته بحجره طرقاً متوالياً لا يخذله سوى هفهفة غفوة تحرمُه من تلك الطرقات. وتُهدي لأصحابه في العنبر لحظات راحة ونوم. وهو كذلك لمدة سنة كاملة. هل تعقلون هذا معي..؟! هذا مثال متكامل على جنون تزمامارتْ. وكاد أن يتبعه آخرونْ. ثم لم يكد يعقد معهم صفقة حتى انتحر. بعد أن دعاهم لانتحار جماعي. معلناً أن الجنون لا يقترن بالانتحار سوى في هذه الباحة. باحة الموتْ. فينتشِله الحراس من عنبر وعتمة كان يتنفس فيها إلى الخارج في تلك الباحة في عنبر وعتمة لا يتنفسُ فيها. أو كما قال المرزوقي " من القبر إلى القبر". فواعجبي لنفسي. وحياتي. كيف فرطتُ فيها. كأني أعيش أبداً. وأنا أحيى حراً. معافاً. خالياً من التأمل.ثم زار الباحة عددٌ من الأسرار. وكانتْ بحق باحة الأسرار. فما كان فيها يبقى كالسر. له خصائصه العجيبة. والغاية للسر أن يُحفظ لأمدٍٍ أو يموت أبداً. وكانت الغاية هنا أن يموتَ أبداً. ولحسنِ حظ صفحات التأريخ المسكين أنه حُفظ لزمن حتى يحكي نفسه.وقد كانت ْحُرمة كلمة " السياسة" كانت حرمة ًمحفوظة. يفقد نفسه الرجلُ حين يسبق عقله لسانه. فيهلك ناقماً على لسانه. وهذا حال أحد زوار تزمامارت الذين اختفوا. وتوالتْ الأيام. وتزمامارتْ يتنفس موتاً. وفي الداخل. كانتْ تحاك القصص وتعيش أياماً. فالحراس ُ وقّعوا على أعمارهم بهذه الحكاية. فكان أن ترى الإنسان أو أن ينقلب حيواناً. ومن تلك القصص أيام التفتيش. فمع الحارس الإنسان. دخلت بعض المجلات. وبعض جوابات الرسائل. ولكم أن تتخيلوا تلك الأحداث وكيف صدعها في هذا الحصار. وفرحة المسجونين بها. لربما كانت الحياة في تزمامارت أرحم مع الحارس الإنسان. ولكن مدير السجن الرجل الأصلع الطويل الخبيث السادي. كان يرببُ تجارته. في باحة الموت هذه. سرق الخبز والحطب ليشتري نعاجاً فتعيش أكرم من أولئك. أي وحشٍ يسكن هذا الجاهل.؟! . يقول المرزوقي " لو أراد لجعل سجننا أكثر رحمة". ولكنه لا يحب ذلك. في روحه دنس شَمِطْ. ثم داعبت حمامة برية تلك الأرواح الصابرة.. حمامة من واحات خضراء. وأرض مبسوطة تتوق للركض فوقها. وللدحرجة فوقها عشها المبلل." أقبلتْ " فرجْ" مع سرب الحمام ليسكن سقف العنبر. كانت فرخاً. وسقطت. فالتقطها المرزوقي. وأعلن للجميع أن الفرج قريب. ثم اطلقها. فعادت لهم. ترجوا أن يحلقوا معها. كيف تترك تلك الأرواح الصابرة في بئر كئيب. وأيضاً أقبلت الكلبة " هند" يوم عيد الأضحى تتحسس أبواب الزنازين. وتعانق أرواحهم. وحط الغراب والبومة في عنبر الموت. معه نعي ٌ جديد. هنا تبارت الحياة واتحدت لتكون أقرب لمعناها. وبين نضال هؤلاء وجرحهم وضحايا باحة الموتْ لا شك لنا عبرة. ولهم أجرٌ الله به عليم.



-3-
كانت السنوات عمراً يُهدر। ومأساة تَكبر. وتساقطت الأجساد وفاضت الأرواح. وبصيص بسمات الأمل تعانقهم حيناً. وأشباح صرعاهم تتراءى لهم حينا ً آخر. خاضوا سنينهم بتجلد. فمكثوا السبعينات. حتى انصرمت. ثم جاءت الثمانينات.بعشرٍ اُخرْ. ومع تسربِ بعض الرسائل. انصتتْ الأكوان لهذا الأنين. ووصلت بعض تلك الرسائل المكتوبة بأيديهم لبعض جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية. بفضل بعض الحراس الذين لم يرتضوا هذا الموت الذي يضرب أطنابه كل مرة. وأيضاَ بفضل الزوجة الاميريكية لمبارك الطويل أحد الضباط فدخلت أمريكا على الخط. لتصنع فارقاً خيالياً في القضية. وأيضاً ولترسم الفارق بين الانسان العربي ميت الحقوق والانسان الغربي بحقوقه الوافية. تحزمت كل تلك الجهود والأدوار لتضيء كوة كانتْ بداية الطريق. وتعالوا لنغرق مع تلك الأرواح المسجونة وكيف عاشت دهرها مبتسمة. كانت رحلات الخيال لا تتوقف. حتى انهم تحدثوا في كل شيء. واختلقوا لغة خاصة بهم من عدة لغات. وقد دعاهم ليلة النقيب بالكبير لوليمة باذخة توسطها جملٌ مشوي وموائد طعام وشرابْ. هرباً من نبش الجوع ببطونهم. ولكن هذا الأسر الطويل أبدع في ترابط تلك الأرواح وانسجامها. حتى احب كلٌ صاحبه وعرفه تماماً المعرفة وعرف كل عائلته وأبنائه. وودع بعضهم بعض أهلهم في عتمة ظالمة. ولقد فرّج حفظهم للقرآن في البداية كل تلك الحزون. فهو غذاء الروح بحق. وشفائها. ووصف " المرزوقي" العنبر بالغواصة التي تهبط أعمق البحر فحين تهل الرسائل وأخبار العالم والعائلة تصعد الغواصة عالياً من جديد. لقد امتص الموت أجسادهم. ولم تخالفهم حقيقته. فقد كان يزورهم في أصدقائهم. فيدفن الأصدقاء في الباحة دون كفن أو صلاة أو غسل. كأنهم جثة حيوان كريه. كيف كان ينازعهم الموت أرواحهم. كيف كان الآخرون يصمتون حين قبض روح صديقهم. وصمته الدائم. كيف كان يقام العزاء. كيف كانت تُقام ذكراه. كيف كان السكون الذي يحل بعد الرحيل. كيف انكرتهم الحياة. كأنهم انكروها. ومضت صباحات السنين. صامتة. حافلة بالأسقام. وتابع الصيف الشتاء. وحلّ الليل بعد النهار. جرت مياه الينابيع. ومن فوق رؤوس الجبال. تفجرت أيضاًالصخور مياهاً. واصبح الأسود أبيضاً. والصغير كبيراً. الإ هنا في باحة الموتْ. فسياج الاختلال ناور لتتصلب الأرواح وتضحك وهي تفارق الحياة. أما الجسد الجلد والعظم فهو عائدٌ لمنبته. لتُدفن كل حياة دون أن تودع أهلها. دون أن تودعها أهلها. دون أن تقص شيئاً من الجحيم. أو حتى تخبر بأنها عاشته . وتألمتْ كثيراً فيه .انتشر خبر تزمامارتْ. وقد كان يجب الا يعلم به أحد. انه سر الأرض. وعليها أن تكتمه. وكم في الأرض أسرار كم. ولكنها لا تعدُ أحداً. لأنها ستحفظهم ثم ستقذفهم ذات يوم بكل أسرارهم لتُكشف أمام الخالق والخلق.أو تُستر. وهذا السترُ غاية كل مذنب.وازداد الضغط على الملك. انهم لم يموتوا. انهم لم يقترفوا الرحيل. انهم جبابرة. عقلاء في بسيطة ِ الجنون. قُدمتْ أكمل الخدمات الطبية لمبارك الطويل ونعم بها أصدقائه. وكذلك السُجّان. مبارك الطويل هذا عندما سجنْ ارسل لزوجته يقول لها: لا يمكن ان احبسك معي. سأطلقكِ إذا أردتِ؟ فقالت: لقد اعتنقتُ الإسلام وغيرتُ اسمي من "نانسي" إلى "ثريا". وأخيراً فازت قصة الوفاء والحب الجميلة على قصة الظلم والقهر والموت والمجهول. وامطرتْ الأيام بوارقها. ووضعت التسعينات قدمها على عتبة التأريخ. ولا زال السجّان مرابطاً. والمسجون مبتسماً يسخر. وكان مبتسماً حتى النهاية.


الخامس عشر من سبتمبر سنة 1991م। أفصحت الأيام عن مكنونها.والتقت السنون في هذا اليوم. تحملُ كأس النصر. وتُلقي أشعة كشافة عن الإنسان. ما حقيقته.؟ وما جوهره.؟ في هذا النهار أثمرت الضغوط. وأُعلن أن تزمامارت موجود وغير موجود. فُتح الدهليز الذي اُغلق قبل 18 سنة وثلاثة أشهر. واخرج الرجال من زنانينهم. فتنسموا نسمة الحرية. وقد اختلطت عليهم الحياة من الموت. وجيء بمن تبقى في العنبر الثاني. ولم يبقِ وحش الموت سوى أربعة رجال من 30 رجل. كأنهم أصحاب الكهف. كأنهم أهل زمان آخر. الشُعور ُ تغطيهم. وقد ترددتْ بَسماتهم تشق هذا الشقاء لتعلن الحياة في كون الموتْ.وقت اللقاء بين جيران طالت عذاباتهم. لم تلتقِ سوى خيالاتهم ربما حين يتفكروا في بعضهم. ولكن هذه اللحظة تجمع ما بقي منهم أحياء. إنها لحظة بسنة. لحظة الانتصار على أرض ذلك المهزوم. وحلّ عليهم ضيف ٌ كان معهم قبل 18 سنة و3 أشهر. ملابسهم العسكرية. فارتدوها فضفاضة. إنها كسوة من زمن بئيس. لذكرى بئيسة. وعمر راح هدراً. أقبل " فضّول" بعد أن مال به الزمن رقياً. وحملتهم تلك الشاحنات. وبعضهم لا يدري. أهي الحرية أم التصفية والرمي بهم في كوة النسيان. وخرجوا من هذه الأرض الشيطانية. ومن سجن تزمامارت الرهيب. ومن تلك " العتمة الباهرة". أقبلت الآن أيامٌ أخرى. وعُزلوا عن بعضهم. كلٌ في مكان لا يرى فيه الآخر. ولا يسمعه. واقبل الأطباء يستجدون الحياة الباقية فيهم. واُكثر لهم الطعام.والشراب. شهوراً حتى يمحوا آثار تلك العتمة من على أجسادهم. ولكنها ليست الأجساد يا سادة. إنها الأرواح. لقد عفا الملك عنهم. واشتم في تراب الأرض أنين هؤلاء فأطلقهم. عفا بعد أن عُذّب وماتْ أكثر من نصفهم. عفا بعد غضبة سنين. غضبة جبارة هلك منها حتى الأمل. والألم. ركب " المرزوقي" تلك السيارة الفاخرة. بعد شهرين قضاها في " أهرمومو" مدرسة أعبابو الجبل الصامد. مدرسة الحنين الأولى والأحلام والآمال. كان لقاءه بأخيه وأهله. لم يكن يعرف بعضهم حتى تعرفوا عليه. لقد بنتْ الأيام سورها المشئوم بين الوجوه. والأنفس. وسؤال ٌ غليظ ٌ يناحره لحظته. هل لا زالت أمي هنا؟ . أم رحلتْ. بعد حكاية العذاب المُرة هذه. قال المرزوقي يصف هذا اللقاء "رفعت بصري إلى السماء فرأيت، كانت السماء صافية والنجوم يعني شيء، كنت أحسب نفسي أنني في الجنة، كل شيء كان جميلا، جاءت الوالدة كانت بجلباب أبيض وكانت نحيفة، ولم يكن طبعا الكهرباء في المتجر، كانوا يأخذون . بعض المصابيح، فلما رأتني وقفنا أنا وخلفي نفر من العائلة وهي وخلفها نفر مع أخي سي محمد و॥ يا أخي كانت لحظة، لا أقول، أنا كنت أعتقد أنني نسيت وانتهى الأمر، نسوني، لكن أم، يعني شيء فظيع لا أستطيع وصفه، التصقت بي، التصقت بي وأجهشت بالبكاء بكاءاً حارقا يعني، يعني تعوزني الكلمات لوصف هذا "كتب هو عن هذا الموقف في كتابه " لما تواجهنا وأصبح كل منا على مرمى خطوة من الآخر وقفت ووقفت، فتحت عينيها تنظر إلي كالمصعوقة، حاولت أن أبتسم، فجمعت شتات عقلي وقلت في دفعة واحدة بصوت خرج مبحوحا من شدة الاختناق، حبيبتي أمي كيف॥ كيف أنت؟ صرخت المسكينة صرخة واحدة جرحت من شدة حدتها أذن الفرج المتنفس وهتفت وهي تشهق منصهرة في بكاء مثير ملتاع ولدي، ولدي أحمد। ارتمت في أحضاني وعانقتني بكل ما أوتيت من قوة وهي تنوح وتئن وتتوجع غير عابئة بتوسلات أخواني وهم يناشدونها باكين أن تثوب إلى رشدها كي لا تزيد في محنة قلبها". آه .شاهدتُ صورته مع أمه. فكنتُ أن صمدتُ شاخصاً اُغالب دمعتي. فسنين الانتظار خلقتْ منها مخلوق طمعت أنفاسه برحمة رب السماء. كأن اللقاء كان اجتماع الليل بالنهار والشمس بالقمر. فَرحتُ بأن " أحمد" عاد لأمه ودنياه. وحزنتُ على انتظار طويل للفراغ. ورحيل كئيب في ظلام. والآن ولىّ زمن تزمامارتْ. وجاء زمن ما بعد تزمامارتْ. زمن ُ تعلمُ الأشياء من المشي وحتى النظر إلى الأطفال. واجهتهم الدنيا بوجه آخر مختلف. والحياة أحاطتهم بتلك الغربة. وصاحبهم كابوس ذلك السجن البعيد. هنا انتهت حكاية هذه المأساة في العتمة. وأقبلت مأساة التعايش والحياة من جديد في وضح النهار. مأساة اللامبالاة. واللامواساة. وكأنهم استحقوا تلك السنون السوداء.


هُدمْ.. فهوَ

موجودٌ وغيرُ موجُودْ


هل هَذا هو حقاً تَزْمامَارتْ॥؟
لستُ ادري ॥



***




أحمَدْ المَرزوقي في صورْ












مَعَ أمْه
***











قصَة تَزمامَارتْ بصَوتْ أحمدْ المرزوقي الفَصيح في بَرنامجْ شاهدٌ عَلى العَصرْ على قَناة الجزيرة في تسعْ حَلقاتْ














































***




روابط:
abuiyad