صيف وسجائر وعرق ٢٠١٦









كان لجارنا حسن توحيد كلبة ولدت أربع من الجرو، وكان لكلبتنا ثلاث من الجرو. وفي يوم شتوي خرجت كلبتنا على غير عادتها تتشمشم خارج الحديقة. في الصباح المتأخر حضرت الشرطة ، لتفصل بين المتجمهرين الذين وقفوا متفرجين لمعركة دموية وقعت بين كلبتنا وكلبة جارنا. قال لي أخي شريم بتلطف أن كلبتنا فقدت أذنها، كان يود أن يهون علي وقع شكل وجهها المشوه والمسلوخ. في المساء رأيتها حزينة متحفزة، تشبه كثير من نسائنا الصامدات. تنازلت في مركز الشرطة رفقة جارنا حسن توحيد عن الأضرار، وقد قررت بلدية الحارة خمسة أشهر من برامج التأهيل والعناية الطبية والنفسية لكلبتنا جاكي.




منذ ثلاث عشرة سنة وقعت لصديقي رياض مشكلة، أبقاها سرية قدر ما يستطيع. وحين توثقت المعلومة بين شلتنا الصغيرة، حاولنا أن نساعده، كلُ واحد منا على كيفيته، ودون أن يعرف كل واحد منا بمحاولة الآخر الخاصة. واليوم بعد سنة كاملة من موته، بات من الصعب عليّ احتمال هذا الثقل. كان صديقنا رياض يعاني من وسواس نفسي قاتل، بأن هناك من يلاحقه ليفتك به. كنت احاول بيني وبين نفسي تفهم مشكلته، بامتثال وسواس طفولي قديم، بأن هناك من يطاردني بين البيوت القديمة المظلمة في حارتنا، وأنا اجتازها بعد ساعات اللعب الطوبلة، في عودتي إلى بيتنا، لكن ذلك ربما لم يجدِ كثيراً. أما اليوم، وأنا انتظر في زنزانتي، حكم المحكمة المتوقع بإعدامي، فإن ما يتمثل لي هو تقلبات وجه رياض وهو يحكي لي شيطانه الملاحق هذا. كان يبدو كأن العدم يجثم على وجهه، وكأن شفتيه تقذف حرائقا مخلبية، وعذابات مجنونة. إن موتي لا يعني لي أكثر من وجه يخرج أو يُنفى من الخرابات ليحل مكانه وجه آخر بريء سيمتلء بالقذارات المنتشرة من هذا العالم. تفرقت شلتنا الصغيرة، لم يزرني في سنين السجن الخمس هذه سوى رفيق المدرسة حسين سالم، ضحكت في وجه أول مرة، وأنا اتذكر منظره حين بلل سرواله أمام الأستاذ الشامي نبيل. غداً، سنكون معاً في مكان ما، أو في لا مكان، فهذا القمر لا يعد قلوبنا بشدة وثقة، بنبض أجمل وأحلى، كما كنا نحلم، أو نعتقد.







يُنهي غسان كنفاني روايته " رجال في الشمس"، والتي حولها توفيق صالح بعد ذلك لفيلم تحت عنوان المخدوعون، بالفكرة الملحة على ذهن أبو الخيزران. سأقتبس الجزء الأخير، ثم سأورد خبرا قرأته قبل أيام عن طفل أفغاني ينقذ حياته وحياة خمسة عشر شخص معه داخل شاحنة تهريب في منطقة كالييه الفرنسية، والتي أقيم فيها مخيم للآجئين تم تفكيكه، فصاحب الشاحنة يرفض التوقف، والهواء يكاد ينعدم، في مفارقة غريبة مع قصة أبو الخيزران وأسعد وأبو قيس ومروان، الذين ماتوا دون أن ينتبهوا لهذه الفكرة الملحة على أبو الخيزران " لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟...". أما كيف أنقذ الطفل الأفغاني، أو كيف دق جدران الخزان، فقد بعث برسالة قصيرة من الجوال إلى متطوعة في الإغاثة، والتي بدورها ساعدت في نجاتهم، بينما على الجانب الأخر لم تسعف أسعد ورفيقيه أية فكرة للنجاة، وتنجح عملية تهريبهم من على الحدود العراقية الكويتية.

النص:
" .. التفت إلى الوراء حيث ألقى بالجثث، إلا أنه لم ير شيئاً، ولم تجد النظرة تلك إلا بأن أوقدت الفكرة ضراماً فبدأت تشتعل في رأسه.. وفجأة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر فأسقط يديه إلى جنبيه وحدق في العتمة وسع حدقتيه.
انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه : 
- " لماذا لم يدقوا جدران الخزان ؟ ..." 
دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود: 
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تقولوا ؟ لماذا ؟ 
وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى : 
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ "


الخبر: 
أنقذ طفل أفغاني في الـ7 من عمره حياة 15 لاجئا بفضل رسالة قصيرة باللغة الانجليزية بعث بها إلى متطوعة إغاثة في منطقة كالييه الفرنسية.

وكتب الطفل في رسالته القصيرة التي دونها باللغة الانجليزية على هاتفه المحمول: "أحتاج لمساعدتك، لأن السائق لم يوقف الشاحنة، ونعاني من نقص في الهواء داخل صندوق الشاحنة، كما أنه لا يوجد تغطية للهواتف.. أقسم بالله أني لا أمزح.." I ned halp darivar no stap car no oksijan in the car no signal iam in the cantenar. Iam no jokan valla.

ووصلت الرسالة إلى متطوعة الإغاثة ليز كليج في منطقة "كاليه" الفرنسية، عندما كانت في مدينة نيويورك، لتقرر بدورها طلب المساعدة من إحدى زميلاتها في بريطانيا، وهي تانيا فريدمان التي تعمل في مؤسسة "هيلب ريفيوجيس" الخيرية شمال فرنسا.

فريدمان من جهتها، أبلغت الشرطة فورا، وتم استدعاء مترجم للتواصل مع الطفل الأفغاني لتعلم الشرطة منه أنه يختبئ وعدد من الاجئين داخل صندوق شاحنة مبرد لنقل المواد الغذائية من فرنسا إلى بريطانيا.
وبعد تحديد موقع الهاتف المحمول، رصدت الأجهزة الأمنية مكان الشاحنة حيث كان متوقفة قرب موقف للسيارات في لايكسترشاير في بريطانيا.

وذكرت الشرطة أنها اعتقلت 14 شخصا بتهمة الهجرة غير الشرعية إلى بريطانيا وشخصا آخر بتهمة تهريب البشر، فيما استثنت الطفل الأفغاني من العقوبة وقدمت له "سبل الرعاية" اللازمة.
المصدر: وكالات





عادة ما يحدث حريق. وعادة ما اختلس لحظاته المهيبة لأفتش البيوت. وعادة ما اسرق منه تذاكراً. عطر، قميص، تحفة، ملابس نسائية داخلية. طنجرة. وفي الصباح، وحين تحين تلك الساعة، اتقدم بوجه أسيف اقدم التآاسي والسلامات. اعرف كم هو داخلي مشوه وحزين، وأعرف أني احاول كثيرا أن اعيد المسروقات لكن يحيل دون ذلك أشياء كثيرة. البارحة، وقع حريق في آخر الحي، استيقظت آخر الليل، وسمعت من الشارع عنه، مع الفجر، دخلت مبكرا مع عمال التنظيف اسأل وكأني مالك العمارة. تتفتح الأبواب بسهولة. عدت بعد نصف ساعة احمل في كيسي وسادة صغيرة بيضاء. وسّخ طرفٌ منها سخام الحريق الذي وصل للغرفة. كان شعوري الأولي اللحظي يشبه شعور أول سرقة، ولكنه سرعان ما تبدد. اللعنة على التكرار الذي يفقد حتى الشذوذ مذاقاته الحلوة الغريبة. في الظهيرة لم تمهلني شكوكي وقتا كالعادة، ان مأساة هذه الأسرة لن تغفلهم عن هذه الوسادة البيضاء الصغيرة والرطيبة وسيسألون من دخل ومن خرج !!. عدت في نهاية النهار احملها داخل كيس معتم. قابلني عند باب العمارة ساكنها وصاحب الشقة المنكوبة. سلمت عليهم، ومضيت في طريقي خائفا أن يلاحظوا ارتباكي ويفتشوا كيسي. الحرائق في العموم جيدة، وهي أكثر ما يثيرني في الحياة. اتمنى ألا يعرف أحد عن هوايتي هذه، والا أصبح خبرا يتناقله الناس، يضحكون ويأسون ويسخرون به. أنا انسان محترم وغريب في اختياراتي.






قال الرواي، وبما أن الحياة مليئة بالمهازل - كمسرحيات شكسبير، فمن حق البشر الذين يشعرون بفردانيتهم، أن يحكوا أحلامهم، فوجب على السيد جبران أن يتكلم عما يغيظه. يقول صديقنا؛ أنه حلم في منام العصر أنه أنقذ ابن عمته من حكم الإعدام، ثم إنه عاد ليلته بعد أن سكر يغازل جارته، التي نهاه عنترة في مكرمته أن يغازلها. ولكن الرجل استولت عليه غريزته، فسرى ليلته ينظم شعرا لها، ويتشبب بها، وحين لم تجبه، سحب خنجره كعادة الأعرابي الأصيل واغمده في صدره ناحية القلب. ولما مات، جاءه رجل في ثياب برتقالية بها رائحة عصير القصب الاسكندراني، وناداه فسأله؛ لماذا فعلت ما فعلت؟ فأجابه صاحبنا، إن أسعار السجائر قد ارتفعت، وإننا لا نجد في الطائف من بيوت الطيبات من تقبل أن نقضي الليل في هناء جحورها، مطمئنين. وحين غدا الصباح، وكشف لنا الإله عن وجوههنا، عدنا مهرعين إلى أهلنا، نخب إلى حارات القوم ببطحاء مكة، نتذكر أمجادنا، ونجادل الرب بأفعالنا الطيبة. فكان أن أصابنا غضبه، فأهكلنا يا أصدقائي، بين الطائف ومكة عُطاشى خوفى متعبين من المشي والسُكر.









يا لفرحة الشعب العظيمة. الليلة انتخبتني الجماهير لأكون رئيسها بعد سنوات الكلاب والتعب. تناديني الجموع وهي تحملني بإسمي الثوري مشتاق، ولكني طالبتها بأن تناديني بإسم شجون. فإن الشجون في نفوس الفقراء لا تنتهي، وهي تعبر عن كل ما تجوش به الأنفس من أحلام وطوحات ورغبات. جلست على رأس طاولة المجلس الثوري، واخترت أن نتحدث عن أي شيء بخلاق ثورتنا المنتصرة، وقد كان هذا خلافا للعقل الطبيعي المنساق مع الحدث. قال السيد عبده، إنه يجب أن تتخلى الأنفس عن نصف الرغبات ليتحقق النصف الآخر على الأقل، فوافقه المجلس. السيدة بوسي قالت: يجب أن نعيد تعريف بعض المصطلحات الاجتماعية على أرض الواقع، كأن يكون مبدأ كشف وجه جنس النساء ( الإناث ) حق غير قابل للنقاش، وعلى الرغم من سخف ما قالته، إلا أن أفراد المجلس صفقوا بأيديهم، كموافقة جماعية. فأمرت لحظتها، أنه يحق للشباب فوق سن السادسة عشر أن يستمتعوا بأوقاتهم، على أي كيفية، دون أن يؤذوا الآخرين، كما تنص عليه السيدة حرية. وحينها قمنا فرحين نرقص على أغنية شعبية قديمة.







عدتُ من خميس في الليل متأخراً، الطريق يعج بمهربي المخدرات واللوحات. أحسست براحة كبيرة، وشيء من الانبساط ينتشر في نفسي، وأنا اقتعد وحدي في مقهى المشوار. دخان وأصوات الزبائن والتلفاز، مكوّن ضوضائي أساسي. تناولت جبنة مالحة بالخبز، وشربت كاسة شاي، انتظر منتصف الليل. مشيت كالكلب الليلي المنقب في القمائم، توقفت على درجات بيتها الثلاث قليلاً، فتحت لي، وشرعنا في عملية الانضغاط والاعتصار على عجل، كل منا يرغب بشيء عند الآخر، بشدة كما يبدو، وبقليل من الذوق. سألتها عن موعد عودة زوجها، قالت، وهي تحرك اصبعها في كاسة الشاي، إنه مات في الحرب، على الحدود، قبل يومين. فكرت أنا، انه كان يحمينا، ليرحمه الله.








اجتاحني شعور الحب والغرام والإنغماس بشدة في الحياة، اليوم قبل مغيب الشمس بدقائق، وهو وقت كئيب يشعر بالنهاية، إلا أني التصقت بالدنيا الفانية الحلوة. قاعدٌ على كرسي خشبي طويل في حوش بيتي الصغير، يطل بابه المفتوح على زقاق في الحارة. وانتظرت السيدة "هـ". ولما مرّت، ألتفت إليّ بحرص واضح، وتروت في نظرتها، وكأنها تحمل تلك النظرة كل شهوتها ورغبتها وحبها. أنا وهي في الخمسين، نستعيد آخر ما تبقى من شبق الاحتكاكات، الفضالة المتبقية في أجسادنا من هذه المتعة اللذيذة العاصرة. إنها تصرخ بقوة وتفقد عقلها وهي تتشنج حين يقذف فرجها، حدث هذا منذ أشهر قليلة، في بيت صاحبتها هدى، كان صاحبي نائما ولم يستثيره أي شيء، فلملمت الموقف بيدي بدلاً منه، وهكذا عشنا الأشهر الأخيرة على نظرات مفعمة بالرغبة المحيرة على تلك الذكرى المُذلة. إن شيئاً من هذا لا يثيرني، إلا أن غرابته فريدة، تداعب في نفسي مشاعر الحب والتعلق بالحياة.







صادفت السيدة ميساء وأنا اسحب الباب، كنت خرجت من غرفتي في الفندق، أنوي الذهاب لبازار في شارع خلف الفندق اكتشفته أمس، فالمشروبات عنده أرخص 3 مرات من مشروبات الفندق. ومن عادتي أن استمني قبل خروجي حتى يخف هيجاني، وأكون قادرا على التحكم بنفسي، فيما سيلي من وقت مدغدغ. ابتسمت لي، بادلتها الابتسامة. شاهدتها ترقص البارحة مع 5 رجال على الأقل، وقد قبلتني على خدي في عز نشوتها لما وجدتني صامتاً انظر في وجهها، وردة حلوة تتنقل لتبعث تفتقات ذكورية، فكرتُ: من يا ترى ظفر بها في غزوة البارحة، وعض لها لحمها المتكور، ردفيها الطويلين الرشيقين، وفرجها الثائر، مبتلع الدنيا. قضيت نصف الليلة في غرفتي اجرّب نوعا من الويسكي، وحين وجدت أني خفيف الروح، نزلت أقصد كازينو الفندق، مع السلالم.








متُ في قريتي التي ولدتُ فيها
في بيت عمتي القديم
اتذكر من طفولتي رجلاً أسمراً اسمه ياسين 
كان يغازل بنت جارتنا حليمة
بقيت صامداً ولم اتزوج
أهلكتني ليال الوحدة والملل
ومع صحتي المتقلبة 
تنازلت كثيرا عن أحلامي الصغيرة
كنت أمني نفسي بالهرب
ولكني انتقلت من أعلى الحارة إلى وسطها
ازور الأرض البيضاء التي تركها لي والدي
لا ادري ماذا افعل بها
اجمع فيه الخشب والخردة
واتجول فيها في عصاري المطر
اتذكر اني كنت طفلاً صغيراً هنا
وأني مررت بحياتي -على هذا الأسفلت
كأي انسان 
مررتُ بها محملاً بالأشواق والغد الناعس
وخرجت منها مرتعدا مكوراً
يتجاذبني الوجود والعدم
وكما قال ديكارت عند موته: لقد كان حسناً!
سأقول بكل عادية: لقد كان مقلباً جميلاً!
آووه مخدوعون .. كم نحن مخدعون!
بالموسيقى والتأمل والجمال
مخدوعون بالأوهام الكبيرة
؛
سأموت هادئاً مرتعداً في زاوية الغرفة
ببيت عمتي القديم
راضياً بأي شيء كأنه كل شيء..










تحصل في الظلام الأسرار. اغمض عيني رغما عني، فيفتح أحدهم بوابات الأحلام والقصص الخرافية والتصويرات العجيبة. لا أحد يدري أين كان وماذا حدث؟ لكنهم يقومون من هذا السحر، كل ليلة، قومة البغال المتأزمة المختنقة بالحياة. قبل أن نتخدر بالنوم، نلتحم بأنفسنا، بأزواجنا، بأفكارنا الصغيرة، بآمال الغد، ثم نغيب في الكهف الدامس العجيب. كنت اسكن غرفة داخلية صغيرة جدا، اعيش وحيدا في صمت لأشهر، يحل الليل مثيرا بالتخويفات والتوهمات، كان النوم ينتشلني من خوفي ووحدتي.






في الليل في لحظاته الخاصة، يكاد يكون لا معنى للنهار بكامله، لا معنى للشقاء للركض للكسب للضحك، يأتي ليمسح على قلبي نكهة من الأبدية الصامتة، من اللاشيء، مخاوف الصبي الصغير. يغشيني الليل بمشاعر النهاية والتسليم للعقل، فالعقل يرقب اشكال النهاية دائما. اغنية فقط لصالح عبدالحي يمكن لها أن تجعل الانغماض في مغارة الفقد هذه، والخلود في النوم، تشبه الزمن الذاهب من حياتي وذكرياتي. وهذا يجعله حميميا في لحظته.






أني اتخيل قبل أن أنام، قصة غريبة عن صبي. قصة طويلة ويحدث فيها تكرار، لكنها تبقى حميمية للغاية. في وقت ما قبل الظهيرة وقبل أن تحمى الشمس تماما، يمشي في طريق ترابي تقطعه المركبات. يمر بجانب شجرة، وينظر إليها بلمحة سريعة. اتخيل قبل النوم، أنه يلمح الشجرة، كل مرة يحاذيها، ثم يكمل مشيه، بهيئة متكسرة ومتعبة. وحين يعود فيما قبل أن تغرب الشمس، يلقي عليها لمحته هذه، ليست هي تحية لصديق في الطريق، ولا رغبة في طمأنة نفسه بأنه يقطع طريقه الصحيح، ولكن لمحة جافلة فارغة، وكأنها ضرورة داخلية جبرية. اتخيل هذه الصورة قبل أن تغوص نفسي في ظلام النوم وفقدان ذاتي، ولا ادري لماذا؟!







في 2012 كنت أكتب بلغة تشبهني حينها، لغة ساخطة وحارة. في 2013 أدمنت البصل والخبز الناشف والسليط، وبقيت جافلاً متعرقاً في غرفتي لا أعرف كيف أكتب. الآن اتسائل وقد طمرت سخطي تحت أكوام ثقيلة من الواقع والقرب من الحياة، لم الضرر؟!، لا تفاجئنا الحياة بشيء، ولكن يبقى من الضرر وخزه الموجع الدائم. اني أدافع سخطي كل يوم بدرينة من حقن التشتيت والتخدير. كم اشتاق لتلك اللغة القديمة الهمجية، التي تركتها مهشمة تتطوح لوحدها، ولا ادري كيف اجذبها لي! كم تبعد عني وكأني لا أعرف فيها،  لا اتذكر منها سوى أنفاس الغليان لحظات كتابتها. ما الذي يجبر أحدنا على الهدوء؟، أعتقد أنه توالي الحياة، مزيداً من الركض الفارغ باتجاه الموت. الفراغ في النهاية الذي يجعل أعمارنا بلونة فُقأت. في هذه الليالي اتحسس لغتي القديمة كالأعمى العاشق نحو النور. أتمنى أن أعود صغيراً نزغاً ساخطاً متشائماً نحاسياً، فهذا على الأقل يناسب كل هذا الضرر، ويجلعني أعيش في صحة متناسبة.





لما اطفأ النور واغوص في الظلمة اشعر اني وحيد واني لا شيء وكأن كل شيء مخيف وعبثي وحقيقي. يقول ساراماغو الموت هو ببساطة كنت هنا وبعد ذلك لم تكن هنا. فيلسوف آخر يقول لا اخاف من الموت لانه حين يأتي لن أكون هنا. إن شعوري لا يتعلق بالموت بل بكثرة الأشياء في الحياة وبالتتالي، كالأمواج والرياح التي لا تريد أن تتوقف، شعور الوحدة شكلي داخله البحث عن موقف شبه دائم على الأقل بشأن الاستمرار في الحياة مثلا، بشأن اليقين بشيء والوضوح.





كل يوم يمكن أن تكون له فلسفة خاصة. والآن في مكان ما اعرف ان رجل افغاني يهتم بمزرعته الصغيرة ويهتم بقطيعه الصغير أيضا. وكل مرة تتحادث فيها مع أحدهم قد تتحصل على فكرة جديدة ويمكن له أن يشوش مزاجك. المهم أن هناك أشياء كثيرة في الحياة، ويفترض أن نتعلم كيف نأخذها بلامبالاة أحيانا مهما كنا جادين فيما نريده.





قد ننفق كثيرا من المحاولات مع الزمن حتى نفهم ان الحب  يود أن يخفي وحشة مرور الزمن، ويود أيضا أن يجدد نسياننا للذاكرة.







قال لي:
كل انسان وأي متهدم فليتأمل أن يحبه أحد.






قبل الموت هناك أربع هدايا
إلى الضالين كيف ضلوا عن الشوق
إلى مذاق النشوة في فمي كمذاق الخديعة
إلى قبلة الجروح في العالم
والهدية الأخيرة لرضا وأولادها..
ثم الموت الطيب لقلبي المنهك والظامئ
آمين




هنيئا لك بالظلام يا صديقي
فالدنيا إشارات غريبة ولم تعد مفهومة
إن قصة غرامك وعشقك الخافت واللاهب
قد يكون لها معناً ولا ادري
وهذا إن كان يشبع نفسك فهنيئاً
البارحة حين قال رجل في المقهى أننا ضائعون
كان يقصد أنه يفهم كل شيء
وكنت اشعر في قلبي أنه يبكي في قلبه لأنه لا يدري
ولا يدري اي شيء
وأنه لا يكاد يرى النور من حوله..
هنيئاً لك الفقد يا صديقي في ربعنا الخالي
إنما هذا وحده يعني أنك ربما وجدت الحياة
أو وجدت لها معنا
هذا إن كنت وجدت لها معناً
حقاً..




المشكلة المثيرة التي واجهتني عند قراءة خوزيه ساراماغو قرأتها البارحة في عمله الإنجيل يرويه المسيح، وهي في آخر العمل. حين يذهب يسوع لملاقاة الرب ليستفهم ويعرف ماذا يريد منه، وحينها يحضر باستور "الشيطان"، فيدور هذا الحوار بين يسوع والرب بحضور وتعليقات الشيطان!. يقدم ساراماغو مشكلة الخير والشر في وضوح وجدية وسخرية لم اقرأها من قبل. فالرب يريد أن يُعرف بأنه الخير والجمال والحب، وأوجد الشيطان لتنسب إليه كل الشرور، وكأن ساراماغو يوري بأن الفكرة تُنسب لمخترعها وإن آمن بها اخر وأصبح أباً لها. وحين يقدم الشيطان توبته، ويرجو الرب أن يقبلها حتى لا يعذب كل هؤلاء البشر ويحل السلام والجمال، يرفض الرب هذه التوبة. يا لسخرية كل نقد الذي لا يرى عيوب هذه القصة!. نعم أود أن اضيف وأقول أن الحياة، حياة البشر هي لعبة، رهان، قامت على مثل هذا التحدي: البقاء لفترة أطول لفترة تافهة جدا.


أيها الدخان الصاعد في الفضاء
فإذا ركض الناس كالبغال
وتباغضت الوجوه
وعلى وجه الأرض وردة ناعمة تسيل بالدماء
وإذا كتب الشعراء تسلياتهم بالهراء
واشتاق الراحلون إلى نهاية رحلتهم
واظلم الكون ونادى على اللا أحد
واشتاق السكارى لوجدهم القصير
وإذا ما ملت الأعناق من التلفت والحديث
إذا ما اقتنع الخياليون أن عوالمهم كاذبة خانقة
إذا ابتعد كل شيء عن معناه
وفقد المعنى أن يكون معنا
إذا ما صدق النفييون
وجاء العدم
قل لي كيف احارب بعوض هذا الليل
بأي قلب وبأي سيف !




التتمة... Résuméabuiyad

رغم اشتياقي













ذلك الوجد الذي كان أنت
ليس إلا أنا ونبضي الذي كان يقشعر عشقا فيك..

أنت لستَ إلهاً أو عدما
أنت خيالي المرتبك الوديع
أمنياتي أن يخرس العالم ويهدأ
أمنياتي الطيبة الساذجة
الا يفترس الوحشُ الغزالات
أن ينسى الأطفال الهلع والموت
ويصبح للحرب مزاراً في وسط الأرض
لا يحج إليه أحد..

أنت أمنية عابثة قديمة
أن تحط على كتفي الفراشة في العصر
واشرب الشاي معها واثرثر..

كنت صنمي اجدد نحته كل يوم
حتى كشفت عنك
فانمحى في يدي الإزميل رغما عني..
إني لم افقدك أيها السيد
لقد ازحت ستاري عنك
ورأيتك قاعدا تتأملني متحفزا
اثارني وجهك وصغرك وانبهارك
ها هو ذا وجهك
ليس وجهي
لكنه يشبهني كثيرا
يشبه ضعفي وجمالي وخوفي!
انهيت هذا المعركة المؤجلة طويلاً
وودعت الله
رغم اشتياقي..



التتمة... Résuméabuiyad

تأزم العلاقة الأزلية في أعمال التكرلي، وانطباعات منفردة










فؤاد التكرلي في مقهى حسن عجمي




* إني آسف أن قراءة جميلة ممتعة لفؤاد التكرلي، خرجت منها هذه الكتابة المتهافتة المضطربة. إنها مشكلتي ولم تكن مشكلته.
* تحوي هذه الكتابة على 55 تكراراً لكلمة "تأزم"، بما فيها الواردة في العنوان، وهذه المضافة في هذه الملاحظة!.
* الأعمال التي ارشح قرائتها، بصقة في وجه الحياة - رواية صغيرة. و المسرات والأوجاع - رواية كبيرة.

؛



على الرغم من قلة أعمال الروائي العراقي فؤاد التكرلي، إلا أن الملاحظ أنها تهتم بمحاولة إبداع قصة عراقية جديدة، محاولة خاضها متردداً ومراجعاً كثيراً. تلك القصة التي نشأت مع عبدالملك نوري، وتبعه آخرون. ومع ذلك، فإن أعمال التكرلي تحمل بصمته الخاصة، وجهده المثابر لخلق فنية خاصة بالقصة العربية العراقية. إن ما دعاني لقراءة أعمال التكرلي، هي قراءة قديمة لعمل اسمه " بصقة في وجه الحياة"، أثارني جداً، وأحدث في وجداني تصوراً بقوة وجرأة هذه التجربة. يبين فؤاد التكرلي ظروف كتابة " بصقة في وجه الحياة"، التي كتبها في عمر الحادية والعشرين. يكتب : " كنا نعيش أنا وعائلتي في حالة مستمرة من العوز المادي بعد وفاة والدي...، إلا أن التباعد الكبير بين مظاهر الترف المحيطة بي في الكلية وبين ما أعيش، لم يجعل الأمر خالياً من المرارة دائماً. لم أكن شقياً ولا كانت الظروف تسمح لي بسعادة حقيقية مستمرة، وكان الحرمان متنوعاً يحاصرني من كل الجهات. ... . كنت أحس إحساساً ذا مستويات عديدة بحاجة إلى وجود الجنس الآخر في حياتي، وجود الأنثى رفيقة الشباب، الصديقة الذكية المتعاطفة. هذه الحاجة العظمى لشاب حساس متأدب، التي تأخذ من الوجود الروحي بقسط كبير من ضرورات الجسد بقسط آخر، كانت قمة الحرمان". ربما أن هذه التجربة المريرة، تفجرت مؤثرة على تصورات هذه العلاقة في أعماله، وعمّقت لها أبعاداً متباينة. فنعاين ضمن الصوت الداخلي للشخصية، قدراً أكبر من تصوير حالة التأزم العامة هذه، والتي تنحصر موضوعاتها في مراقبة العلاقات وتفسيرها، تأملات سير الحياة، سيطرة الجنس والهيام بتفاصيل المرأة. وقد يصح لنا تصور الربط الجائز بين ظروف كتابة العمل، وفنية العمل، فيمكن أن توفر قراءة أعماله من قصص وروايات ومسرحيات/ حواريات، على استجلاء حالة التأزم هذه، في كيفية علائقية، تدور حولها حياة أبطاله، الداخلية والخارجية.


ينضوي هذا التأزم الإنساني الداخلي العلائقي داخل مجتمع متأزم أيضاً. فالمجتمع العراقي عانى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ومع تأسيس الدولة العراقية أزمانا من نكبات الحروب والإنقلابات والحصار التي لا تنتهي. ومن هذا التاريخ الاجتماعي، تخرج شخوص التكرلي، من هذا الفرن الصاهر، بنفسيات متأزمة، وتدافع داخلي متوتر، يريد الانتفاض على تقاليد صلدة رجعية لا زالت تحكم العائلة العربية، ونفس تود تحقيق طموحاتها الكبيرة التي يقف شظف الحياة في طريقها، إضافة إلى عنصر ثالث طبيعي نفسي منبعث من حالة الثورة على الخارج برغبة من تحقيق الفردية، والإنحياز التام لها، يحدث هذا في فترة المراهقة، والتي كانت ذا تأثير مهم فيما سنقرأه من تصور عن حالة التأزم هذه. إذاً؛ فهذا مولدات حالات التأزم في أبطاله، تنطبع تأثيراتها في العلاقة الأزلية بين الرجل والمراة. يوظف التكرلي هذا الخارج المحاصر/ الحرب للإنسان في أعماله. فبدءاً من "الرجع البعيد" يحل الضربات الحربية والقصف الذي لا يتوقف، كخلفية تصويرية في أجزاء العمل الأخيرة بالذات، جنب لجنب مع تمزق مدحت وهربه، وبقاءه مشدوها مما آلت إليه حياته. وحين ينتهي العمل عند معادلة رياضية يدورها البطل في مخه، ليجتاز شارعاً تقع فيه مناوشات نارية تُجهز عليه أخيراً، ليخلّص التأزم الخارجي التأزم الداخلي. يصف التكرلي مجتمع هذه الفترة، في " الرجع البعيد" فيقول: " أنه المجتمع العراقي في سنة 1962. ولأنه مجتمع اللااستقرار، اللامستقبل؛ مجتمع الهاوية والتخمة والبلادة والارتعاد والحقد والنفاق، مجتمع أن تأكل بعد وجبة طعام دسمة والا تعلم ما يجري في العالم وان تتعقد جنسياً بالضرورة وأن تحذر الفقر، فانه مجتمع لا علاقة له بأفراده الحقيقين. انه المجتمع الذي لا يقدم لك شيئاً مقابل شروطه الغبية؛ لأنه ليس مجتمعا، بل فترة زمنية. ولذلك فان ذكر الخداع في تعاملك معه، يعني الكلام بلغة غير مفهومة. انك ليس في موضع الخديعة حين تريد أن تنقذ نفسك". في "المسرات والأوجاع" يكون التاريخ والصراع أثراً معايشاً على الشخوص، فيشير إلى انقلاب عبدالسلام عارف على رفاق الثورة عام 1963 في الفصل الأول من العمل،  ليحرك شخوصه تحت تأثير هذه التبدلات السياسية والإجتماعية. وينتهي العمل في أجواء الحرب القائمة مع إيران. في عمله الأخير " اللاسؤال واللاجواب" يعود إلى تصوير حياة عائلة عراقية تعيش ضمن هذا الحصار القائم على العراق، فيقول: " كلنا كأفراد، محاطون بظروف وأزمنة تجعلنا كدودة القز، منغلقين داخل شرنقة لا فكاك منها. لسنا مجوعين من قبل سلطتنا العراقية فحسب، بل إن العالم كله، دولاً وشعوباً، صمم أن يقتلنا جوعاً وخوفاً؛ وسيُنسى كل هذا ولن يسجله التاريخ". ويكمل تصوير حال المجتمع في ظل هذا الحصار وبعد انتهاء الحرب مع إيران، في مكان آخر من العمل: " عدت إلى البيت منهكاً بعيد الساعة الواحدة. لم أجرب معايشة الجوع هكذا من قبل، وكنت أفكر، أثناء إلقاء الدرس بشكل آلي، بأن هناك سداً منيعاً من فراغ المعدة وتقلصاتها، يمنع هؤلاء التلاميذ المساكين من الفهم أو حتى من نصف الفهم. فهل فكر العالم وهو يحاصر شعباً بأكمله بناء على رغبة حقودة من دولة معينة، بمثل هذه النتائج؟ أم ان هذا العالم كان يسعى بإصرار إلى تجهيل هذا الشعب، لأنه يجد في ذلك، عدا المتعة والانتساء، فائدة جلى مستقبيلة؟".


إن هذا التأزم ينقسم إلى مستويين، الأول هو تأزم الشخصية في ذاتها، والآخر هو تأزم تلك العلاقة الأزلية المضطربة بين الرجل والمرأة. النظر إلى المرأة باعتبارها أنثى ذات مكوّن جاذب جدا وملغز، أكثر من اعتباريات وجودها ضمن تكوينات اجتماعية وأخلاقية مقننة. وربما يصبح التأزم الثاني سبباً من أسباب في تأزم ذوات شخوصه وتعقدها. كما في روايته الأولى " بصقة في وجه الحياة"، التي تقوم على ذروة تأزم العلاقة الأزلية بين البطل/ الأب، شرطي متقاعد في الخميسن، وبين زوجه وبناته الثلاث. فنتتبع مع صوته الداخلي صور تأزمه انعكاسا لموقعه من هذه العلاقة، والتي يمارس طرفها الآخر/ زوجه والبنات، تحت نظره، حياة منفتحة من العلاقات العاطفية والجنسية، ودنيا من اللهو بلا حدود. في "الوجه الآخر" الرواية التالية، يتحول تأزم العلاقة الأزلية بين البطل محمد جعفر والسؤال الأخلاقي الذي يلاحقه. هل يرضخ لإغواء امرأة جديدة /سليمة، أم يبقى في عناء الزوجة/ سعدية، التي اصبحت عمياء، واخرجت له ابناً ميتاً. وهنا يلتقي بوجهه الآخر، وسؤالات الشرف والتضحية، جوهر وواقع هذه المفاهيم. في الرواية التالية التي كتبها خلال عشر سنين " الرجع البعيد" 1966 -1977، نواجه تأزم الشخصيات على المستويين، فلنتقي بعبدالكريم المراهق المتأزم ذاتياً بأسئلته الكثيرة، وكذلك هو الحال مع مدحت وحسين ومنيرة. أما المستوى الآخر، فيرتفع التكرلي بهذه الأنفس المطبوخة داخلياً إلى ساحة أخرى من تشابك وتعقد هذه العلاقة بين الرجل والمرأة. فبعدالكريم ينحت شكلاً حالماً في محاولته فهم مشاعر الإعجاب تجاه ابنة عمته منيرة، ومدحت أيضاً يجد في مد أمشاج هذه العلاقة بمنيرة ضمن منحوته الذاتية الخاصة، بينما تناور منيرة في منطقة غائمة بين هاتين الرغبتين الممدودتين نحوها. في ذات المستوى، هناك علاقة حسين بزوجته مديحة، تلك العلاقة المنقطعة القائمة والمرتبكة في نفس الوقت، تحمل تحتها تأزمات ذات حسين الغارقة في السُكر والهرب. يرفع التكرلي أحياناً من تأزم هذه العلاقة. فيحاصر منيرة بهم كبير ناشئ عن فقدها لعذريتها، والذي حدث لها بالغصب، ويُعلي مرة أخرى من هذا التأزم، فيكون مغتصبها هو ابن اختها عدنان. نلاحظ هنا تأزم معقد، من طبقتين أو بخطين متواليين. فها هي مقبلة على الزواج من مدحت، وتحمل معها إرثاً كارثياً، من تأزم سابق وقديم ولكنه يبقى إلى الحاضر وربما إلى الأبد. في العمل التالي " خاتم الرمل" يعمل التكرلي على كشف بواطن التأزم والقلق الفردي وجدانيا ونفسياً بإزاء المجتمع. ونعاين شكلاً جديداً من صور هذا التأزم العلائقي، والمُقدمة كحلول لتأزم آخر. تسيطر ذكرى الأم سناء على جانب كبير من رؤية هاشم للحياة، فهي تمثل بسطوتها مثالاً حميمياً وقوياً ومثالياً للعلاقة الرابطة بين الرجل والمرأة. يعود البطل لظل العلاقة بالأم، كعودة للمثال، وربما كمهرب ومبرر لأخطاء وفشل العلاقة الأزلية التي هو بصددها. نجد هذا الشكل، في أعمال التكرلي كوجود مكوّن مؤثر في أعماق الشخوص، وربما يتجاوز ليكن من أسباب تأزم دواخلهم، في "المسرات والأوجاع" يعود البطل/ توفيق لذكرى أمه كملاذ نفسي، كما تحكم غسان أحد شخوص العمل علاقة مؤثرة بذكرى أمه التي هربت وتخلت عنه. المستوى المعهود في "خاتم الرمل" من تأزم العلاقة الأزلية، يقود البطل إلى التغيب عن حفلة زواجه، حيث يقوده شعور قوي للبقاء بجانب قبر أمه، وهو بعد ذلك، لا يعود ليكتب نهاية ما لعلاقته بزوجته المعلقة - كما هو حال حسين في "الرجع البعيد" مع زوجته، ويبقى تبرير هذا التأزم غير ظاهر ولا معروف لا للبطل ولا للقارئ. يكتب التكرلي بعد ذلك روايته الكبيرة " المسرات والأوجاع"، ونشهد هذا التأزم في العلاقة الأزلية، بدءاً من علاقة الزواج التي أفشلها عقم توفيق، وتقلبات الزوجة وتنمرها ثم طلاقها، إلى ممارسة توفيق انفتاحاً ملتهباً مع رغباته الجنسية، وتلهفه الكامل للعلاقة بالمرأة، بعضهن كن في دائرة الحب المحرم. يناقش التكرلي هذا التأزم في أشكال أخرى من العلاقات، فهناك امرأة مستعادة جسدياً دائماً كما هي  منيرة في الرجع البعيد و فتحية في المسرات، وزكية في رواية اللاسؤال واللاجواب. فتظهر المرأة في الرواية في حياة البطل بعد أن تخوض علاقة زواج أو حب أو اغتصاب/اغتراب في ذاتها، فمنيرة تشرع في العودة لمصافحة ذاتها ومسالمته بدخولها حياة مدحت، وفتحية في المسرات والاوجاع تعود لتوفيق كحبيبة مترددة ومنصاعة في ذات الوقت لهذا التأزم العلائقي الذي يشدها نحو توفيق، بعد موت زوجها الشائخ في السبعين أيضاً، وأيضا أديل التي تعود لتختفي، وزكية أيضاً في اللاسؤال واللاجواب ربيبة طفولة البطل تعود له بعد موت زوجها. وفي هذا الشكل، نلاحظ تأزم تكويني ونفسي في العلاقة الأزلية يؤثر في داخل المرأة، حين يتزوج بعض شخوصه من النساء في أعمار صغيرة من شيوخ في السبعين من العمر، وحيث يكون الجنس وحده هو هدف هذه العلاقة، كما يظهر هذا بوضوح في قصته " القنديل المنطفئ". في العمل الروائي الأخير للروائي العراقي فؤاد التكرلي " اللاسؤال واللاجواب"، وبعد إضاءات خلفية عن تأزم علاقة الأب بأم البطل وضربه لها، يسيطر على البطل/ الإبن تشكك يحاول أن يفسر به، عثوره على كنز ثمين في غرفة المكتبة العلوية، وهذه التفسير الاحتمالي الداخلي للبطل هو علاقات غير شرعية تربط زوجه وبنتيه برجال في الخفاء، أثمر عنها هذا الكنز المخبأ. إن هذا التشكك، على الرغم أنه لم يكن ثيمة أساسية في اخر أعمال فؤاد التكرلي الروائية، إلا أنه لم يخلو منها على كل حال. ولا نجد المرأة كشخصية في أي من قصصه القصيرة إلا ويقوم هذا التأزم في هذه العلاقة، فقصته الشهيرة " العيون الخضر" هي صوت داخلي لنفس معذبة، مجبرة على الاعتراف لذاتها بالهزيمة، إنه صوت فتاة عاهرة. وقصصه الأخرى كـ" الحائط والحكايات الحزينة" " م.أ.ع.ر.س" "ذاك النداء" الغراب" " غرباء" "القنديل المنطفئ" تحوي شكلا من هذا التأزم، بينما قصص أخرى كـ " أمسية خريف" " المجرى" " الدملة" يظهر فيها الحب الشاذ، المتلهف لما عند الغير، في درجة أعلى من هذا التأزم. نجد هذا أيضاً بشكل غريب واضح ضمن قصص مختلفة وتبديلات فنية، في مجموعة " خزين اللامرئيات"، فهناك اعتلال للعاطفة دائماً، وحب محرم. ففي قصة "المنحدر" يكوّن الشرف المهتوك موضوعها. وفي القصة الجميلة"إمرأة الصمت" تتعارك شكوك هذا الحب المحرم المتجاوز، رغم أن إمراة الصمت هذه لم تكن مذنبة. في " النهاية الثانية" تأزم العودة إلى الزوجة التي تزوجها الأخ بعد أن بات طي النسيان. في قصة " وانغمرت بصوتي" تأزم في العلاقة الأزلية بين رجل في الخمسين وتلك الأسيل الصغيرة. إن نظرة عامة فنية لتكرر هذا الموضوع، قد تهتم بمقاربة التكرلي لهشاشة وتهتك عالم الهروب الذي يقصده طرفا هذه العلاقة معا أو أحدهما، حيث تلوح فرص الحب الجديد، الحب الذي يعوض السابق التالف، والمشوق الذي يغير روتين الحياة القاتل والكآبة الضاربة في النفوس.  إن  مثل هذا الحشد المتسارع من تتبع تأزم هذه العلاقات الأزلية، هو عملية جرد متعجلة تريد أن تتصور هذا النموذج العام المسيطرة على  أعمال التكرلي. ومن جهة أخرى نقول أن كل هذا الحشد الذي سردته بهذه الكيفية المحزنة لأي كاتب يود أن يكتب مراجعة عن أي كتاب أو كاتب - ولنقل فؤاد التكرلي مثلا، تم تبريره فنياً وموضوعياً، وعولج بلغة قصصية جادة، وفي قوالب كانت ضمن محاولات محترمة ومقدرة لابداع القصة العراقية الحديثة.









- انطباعات منفردة مختصرة عن الأعمال:




بصقة في وجه الحياة - 1949:

بطل العمل، شرطي متقاعد في الخمسين، يدير حواراً ذاتياً متتبعاً لأسلوب عيش زوجته وبناته، واللاتي يعشن حياة منفتحة قذرة وجنسية تحت أعين الأب المراقب. وهنا يفوز صوت الضمير الحاكي تماماً، إذ تتحول اللغة الساردة داخل هذا الصوت إلى ما يشبه كوّة مستترة داخل قلوبنا وفم الراوي/ الأب، ليخبأ فيها عصارة سخطه وجبنه وورطته وخزيه وتأمله. يشرّح التكرلي عبر هذا الصوت مثالاً صعباً، في منطقة ملعونة ومرفوضة اجتماعياً. وحين يصح تناول هذه المناطق الشائكة باعتبار وجودها، إلا أن التناول السردي عبّر عن تأزم خانق في العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة. وهو ما يمثل علامة موضوعية شديدة التكتل في سياقات البناء العامة. إن الصوت الحاكي للأب، هذا الضمير المنطلق في ملاحظاته وصب لعناته، كان أباً فنياً أيضاً استطاع أن يحوي موعيات القصة، حين يكون التقمص تاماً وغير ملاحظ، وينجح في اقناعنا تماماً. عمل هذا الصوت عبر مفردة صارخة وواضحة وبليغة، أضفت على المأساة القصصية بعداً متقناً ورصيناً. يفوز هذا النص القصصي، أو الرواية القصيرة، منذ البداية وحتى فصوله الصغيرة الأخيرة، حين تتكثف اللغة، وتحمل وعياً ضوئياً شاعرياً يُبقي خط العمل مع ذلك واقعياً ومستساغاً وقوياً. نفست هذه اللغة عن حالة تأزم في منطقة محظورة، لكنها تناولتها بفنية توازي محظوريتها.




الوجه الآخر- 1957:

ينتقل صوت الراوي بينه وبين صوت البطل الداخلي، بتتابع الفصول. وهنا المرأة مرة أخرى كطرف أصيل في عذابات التمزق الإنساني، المرأة كميدان للسؤال والصراع عن الوجه الصريح للإنسان. إن البطل محمد جعفر المأزوم والمحاصر داخلياً بين صراحة ضميره ووقاحة نفسه، يعاين في مسافة البين هذه إشكال السؤال عن جوهر الأخلاق. حين يقابل وجهه الآخر في ساعة المحن، وهو يكاد يتلمح تمرد وجهه الآخر هذا حين يتكشف عن أسئلة جادة بشأن الحقيقة ورغبات الهرب منها أو الإلتجاء إليها. فهو في خضم هذا التمزق والصراع يفكر بالضرورة في طبيعة هذه المفاهيم الأخلاقية، في أهميتها لحياته، أيلتزم بها أم يدوس عليها بقدمه. ما الشرف؟ وما التضحية؟ وما هذين الموضوعين الاجتماعين المسيطرين في واقعهما وفي جوهرهما؟, إن الإغواء يجتذب وجهه الآخر من سليمة الحبيبة، لينكفأ عن سؤال الأخلاق القائم عن جريمة لو تخلى عن سعدية زوجته، التي باتت كحمل ثقيل، بعد أصيبت بالعمى وقدمت له ابناً ميتاً. يقابل محمد وجهه الآخر هذا فيحادثه بوضوح وعنف ورعدة. 



الرجع البعيد - 1966 -1977 : 

يشير التكرلي في إحدى مقالاته، إلى أن فكرة الرواية بقيت مختمرة ثلاث سنوات قبل أن يشرع في كتباتها. ونجد من اشارات التكرلي في مقالاته، أن هذا العمل و " خاتم الرمل" كانت أفكارهما الرئيسة هي مجرد قصص سمع بها من معارف أو أصدقاء. تمثل " الرجع البعيد" علامة بارزة في أعمال التكرلي القليلة، فهي تخوض بعمق في تعقد العلاقات الاجتماعية العراقية، ويعتمد اللهجة العراقية لغة أساسية في الحوارات، عمق جواً أكثر حميمية ومصداقية للشخوص والأحداث. نعاين التأزم المنعكس عن العلاقة الأزلية، في توجدات الرغبة والحب، التي تتصارع منفردة وذاتية بين الأخوين " مدحت" و" عبدالكريم" باتجاه "منيرة" ابنة العمة. وفنيا يختار التكرلي هذه المرة، وجهات النظر منطلقات للسرد. فنقرأ في كل فصل الأحداث من خلال مناظير الشخوص النفسية والداخلية. ونجده مقنعا حين لا يغير من لغته بل يجعلها تحمل الشخصية على طوفها، كما في فصل الطفلة " سناء".إن إعادة قراءة حدث عبر عين شخصية أخرى هو مغامرة تحتاج كثيراً من الجهد والتدقيق وكذلك فنية الإفلات من المنظورية الميكانيكة والاقتراب من منظورية ذات وعي قصصي مناور وخلاق. ما يعمق التأزم هو استباط الروائي لصراعات الداخل عند شخوصه وخاصة " عبدالكريم". ثم يوظف التكرلي موضوع الشرف في الشخصية العربية، عند وبعد علاقة الزواج التي تربط " مدحت" بـ " منيرة". حين يكتشف أنها لم تكن عذراء، فيعود ليعاين عمق التصدع النفسي داخل هاتين الشخصيتين. وها هي منطقة أخرى مرفوضة ومحظورة، ففقد "منيرة" لعذريتها وقع غصباً من ولد أختها " عدنان"، والذي يشرّح لنا من خلال شخصيته لامبالاة وتسلط هذه النفس العفنة. المرأة والحب والأخطاء والتعب ما يميز هذه الرواية العراقية موضوعيا، ولغة التكرلي هي لغة مكتملة القص، فلا تتخلى حركة الوصف الشعوري عن الوصف المكاني والتي تخلق مصداقية وحميمية معايشة لحالات الشخوص. أبطاله هؤلاء أشقياء وضعفاء يدركون ضعفهم ويحاوروه. وهو يكمل اتقانه هذا عبر تتبع خواطر شخوصه حتى اللحظة الأخيرة، حيث لا تفيض فتمثل تعباً في البناء. هذا مثال لحميمة الفكرة، حين يقابل الإنسان نفسه، ويواجهها.  يحاور "مدحت" زوج أخته " حسين"، والذي يعيش أيضا حالة من تأزم العلاقة مع زوجته، فهو منفصل عنها، مسحوب للشرب فقط، يقول " مدحت" : " شلونك ويه صوتك الداخلي يا حسين؟ كل لي، ما عندك صوت يركض وراك وين ما تروح، يسألك عن كل شيء ويعلق على كل شيء؟ هذا شنو، هذا ليش سويته، هذا صح. هذا غلط. هذا نفاق. هذا تعدي. هذي خربطة. هذي هزيمة؟ صوت لا ينام ولا يتعب. يحجي وياك أثناء ما تحجي واثناء ما تسكت. من انت بوحدك وأنت ويه الناس. عندك هيجي شي حسين؟ عندك؟". يبتدأ العمل بموت وينتهي بموت، وبينهما نغوص في قراءات فلسفية ووجدانية وتأملات بسيطة تخص الحياة والعذابات. وموازياً لذلك تحتفظ الرواية ببنائيات التصوير للأحداث والمشاهد حتى الصغيرة منها، والتي هي تسمك وعي القصة. كان هناك بعض الاطالات السردية الفائضة، خاصة في الفصل قبل الأخير، والتي هي اطالات من الصوت الداخلي ازدحم بخطاب مبالغ الرومانسية، كان يمكن اختصاره. وفي بعض الفصول قاطع الروائي بين صوتي الروائي وصوت الشخصية/ الضمير، لم يحقق هذا نجاحا كاملاً بسبب تعليق الاثارة المنترة ومحاولة قراءة عمق الداخل الانساني لشخوصه.



خاتم الرمل - 1993 :

يعود الصوت الداخلي للبطل هاشم ليكشف بواطن التأزم والقلق والتمرد الفردي وجدانياً ونفسياً بإزاء سلطة المجتمع. إنه يبحث التفكك والمصير، وفي عمق اشتباك هذا البحث يعاين البطل تجربته، والتي يقدمها التكرلي كعادته بلغة ملتزمة ومتحركة بالتصوير الداخلي والخارجي. وتكاد تتضح رؤية الروائي عن رغبته في تدوين المسافة الفاصلة بين الداخل الخاص المسالم والفوضى الخارجية للمجتمع. ففي هذه المسافة يلتزم البطل بالإنسياب وإطاعة ذلك الصوت يجبره على تحدي المجتمع والعرف، وإهانته حين يتخلى عن حضور حفلة زواجه. إن هذا الانصياع اللامبرر لهذا الداخل يعطي فسخة لتأمل الداخل أكثر. وحين يتوقف البطل عند بعض الأصوات الخارجية كخاله رؤوف والدكتورة سلمى، ليستمع للخارج، لا يوقفه هذا عن الإنصات لداخله، والابتهاج له، ثم السخرية من هذا الخارج المتكلف. إن التبرير الشكلاني الذي نقرأه متأخرا عن سبب تخلف هاشم عن زواجه، وإبقاءه متأزماً في علاقة نعم ولا/ زوجة وليست زوجة، هو شيء ما أجبر بطلنا على أن يقضي ليلته تلك بجانب قبر أمه. ولكننا يمكن أن نتلمح الفردية والحرية عنواناً خلفياً لهذه العقدة. يكتفي البطل بإمراة واحدة، أمه سناء، وينجح ذهوله عن تهديدات الخارج بالتصفية لإنهاء علاقة الزواج تلك، بإبقاءه صامداً مدافعاً عن داخله المتآلف والغير مفهوم له. 



المسرات والأوجاع - 1996 :

بالنسبة لي يعبر هذا العمل عن عجز الإنسان في معرفة ذاته، ومن ثم يمكن أن نقرأ تحت هذا العنوان سير العمل والعناوين الأخرى المتفرعة. تستغرق عملية بناء خلفيات الأسرة والمجتمع والتاريخ وقتا قصصيا، ثم يتفرغ بعد هذا الإرساء لتتبع حياة البطل منذ الولادة وحتى سن الخمسين سنة. أربعة فصول فيما يقارب 460 صفحة، تنقل فيها بالتتالي بين صوت الراوي وصوت البطل الداخلي. إن هذا العمل يتوسل عملية الحشد والجمع والتقطيع في الوصف والتصوير وبناء وعي القصة. ووجوه هذا الحشد والجمع تقوم بها لغة جمالية هادئة ملتزمة ذات رتم واحد ممتد. وهذا الصوت الداخلي يجعلنا مستسلمين لأفعال البطل وحركات الشخوص من حوله، حيث يتابع الراوي ضبطه القصصي بمواكبة أنماط وتغيرات حياة الشخوص من خلال تماسهم مع بطله توفيق. هذه الرواية هي حشد كبير لما يمكن أن تقوله حياة إنسان متأزمة على مستويات. لكنه رضخ لتبدلات هذه الحياة وتأثيراتها عليه، وبقي متفرجاً عليها، ينجر مع دوافعها الداخلية الصغيرة والكبيرة، ويستلم لها خارجياً. أما الداخل فهو متسائل وحيّ ومنساق للغزه الخاص. ما أعجيب هذا الصبر الذي يحمله كاتب ليقص مثل هذا التكرار الحياتي، والذي ننساه بمضي الوقت، ولكنه يُجمع هنا ليشي ببلاوة الحياة- إن صح التعبير. إن الفُسح الموضوعة باتزان يتأمل فيها البطل تبدلات حياته وحركته اليومية فيها أضافت لمسة نفسية جمالية عذبة، تثير كل يكمن بسرية وغرابة، داخل صناديقنا الصغيرة والكبيرة المغلقة في دواخلنا. يكوّن الجنس والعلاقة الأزلية النهمة والمستعرة بناءً مهماً في العمل. وتخلق هذه العلاقة المتطلبة والشائكة دائماً، المتغيرة والمسيطرة على حياة البطل موضوعاً مشكلا وثيمة مؤثرة تكاد ترتكز عليها جوانية البطل وهمومه. المرأة دائماً عند التكرلي بوصفها حبيبة وزوجة وأماً وحالة غائمة لا حدود لها، المرأة بوصفها مثيراً لفعل الحياة، وشاغلاً للنفس من خلال رغبة التحصل عليها جمالاً وجنساً لذيذاً ومهرباً ومأمناً. إن قراءة متعجلة قد تود أن تضع هذا العمل في رف الأدب الإيروتيكي، لأنه يعنى كثيرا بتصوير العلاقات الجنسية والحب الشاذ النافض عن كتفيه أية حدود وقوانين داخلية وخارجية. لكن قراءة أكثر تريثاً وعمقاً ستنظر بشكل من سيطرة التأزم والحصار على نفسية البطل، ليجد في هذا الإنغماس موضوعاً للحياة، وموضوعاً مثيراً، قد يجعل حياته أكثر تلغزاً في تلغزها الكبير. كيف يمكن أن نعاين بطل العمل؟ هل باعتباره متأزماً أو مسالماً منطلقاً مع رغباته، أم متعباً منتبهاً وغير مستقيل من الحياة؟. أعتقد أنه يصح أن يكون هؤلاء معاً. فنياً؛ نشعر بذات كوّة "بصقة في وجه الحياة"، التي يشرف أو يطل علينا منها التكرلي، ليصطحبنا داخل تلك النفس المراقبة والنشطة، المتأملة للوقائع والحائرة أيضاً. وهذه الحائرة تدعونا من خلال التعبير الصريح عن رغبات التحصل على الأنثى والتدقيق في تكاوين جمالها الجسدي والنفسي واللذة الكامنة في الإلتصاق بها. إن المسرات والأوجاع هي عنوان أكبر لمتحصلات فلسفية رائعة وجميلة قُدمت بهدوء، ويمكن التحصل عليها بمجرد القراءة، فقط قراءة قصة هذا البطل وصوته المعبر عن عجز الحياة من حوله لتجامله أو تسعده. إن نفس هذا البطل هي نفس كبيرة خاملة، أقرب لطبيعة المجتمع وصيرويته منها للشذوذ عنه. وإن هذه اللوحة الأخيرة التي نشاهدها تتكون أثناء القراءة وعند الإنتهاء، هي لوحة في منتهى القرب مما تعنيه فلسفة الحياة بجملتها. حيث هي كثير من التعب والرغبة. وعلى الرغم من طول العمل إلا أننا نقرأ بلغة متزنة حافظت على إيقاعها الذي تستلزمه هذه الرواية الغاصة بالتفاصيل والتكرارات والحركة المتبدلة. ما تثيره هذه الرواية هي أن تعيدنا لنقطة واحدة، وهي الا نعتبر الحياة أكثر من ذلك!. فنفض عنها وعنا كل هراءات كاذبة وحالمة ومنافقة وتافهة.




اللاسؤال واللاجواب - 2006 :

يكافح بطل هذا العمل ليبقى على قيد الحياة مع ما يعوله من زوج وبنتين. ويعتري هذه العائلة العراقية تشوهات علائقية، وكأنها مخلفات ونتائج الحصار العالمي والمفهوم الأخلاقي. يستذكر البطل شخصية الأب المتجبرة، ويزاول تأزمه الحياتي المكافح في عملين ليلاً ونهاراً، ونوعاً من تأزم العلائق وهو يحاول أن يبرر مصدر الكنز الثمين الذي وجده مخبأ في البيت، متشككاً في زوجته والبنتين. يضيف التكرلي مرض الصرع كتركيب ضاغط في حياة البطل، وعقدة فنية يندرج فيها العمل على الانقطاع والتذكر الذي يولده المرض في ذاكرة البطل. وفي هذا الجو لا يخلو صوت البطل الداخلي من تأملاته في حياته وفي أسباب انقطاع الذاكرة هذا. وحين تكون هذه هي الحياة بكل صعوبتها وعوائقها والرغبة الشدية في النجاة، يصبح الموضوع لاسؤال ولاجواب عن القانون والأخلاق. ومع ذلك فالصرع ينقذ الأسرة، ولا تسأل الزوجة عن مصدر المال النازل عليهم، ويعود المرض ليقضي على البطل، حينما تطل بوجهها هذه الحياة الجديدة المنتظرة. 


؛


قد يصح أن نلاحظ أخيراً كثيرا من الفلسفات الواضحة والبسيطة المنتشرة في أعماله. فمثلاً، هناك فلسفة ما للمال في حياة أبطاله، في رواية المسرات والأوجاع، تنتهي الرواية حياة تحضر الثروة في حياة البطل. ويحدث هذا أيضاً في اللاسؤال واللاجواب، حينما تصبح العائلة على مشارف حياة جديدة مترفة تنتهي المروية، وكأن قصص التكرلي لا تستطيع أن تعيش ضمن اعتبار المال والحاجة إليه منعدمة أو قليلة، ولكنها تتنفس بأبطالها الذين يتماسون مع أشخاص يحيون بثراء، فيعاينون تلك الأنفس الغريبة والمختنقة بطمعها وبخلها وأمراضها. إن هناك فلسفة ضمنية خلف هذه الصورة تشي باحتقار المال. 












التتمة... Résuméabuiyad

أمثلة المراقب والناقد المتطفل عند ساراماغو



























خوزيه دي سوسا ساراماغو










النص:

يقدم  خوزيه دي ساوسا ساراماغو نفسه إلى العالم باعتباره مناضلاً سياسيا وإنسانيا جنب إلى جنب ككاتب وشاعر وروائي. وهنا سنظل مع الروائي والأعمال. مع أنه لا يفضل هذا حين يقول في إحدى تدويناته الأخيرة على الإنترنت والمنشورة في كتابه " المفكرة - The notebook ": " لا أظنني أفضل فصل هويتي ككاتب عن ضميري كمواطن". فسيرته واهتمامه كمواطن ومناضل موضوع أخر، على الرغم من أن همومه هذه هي وقود كتاباته الفنية.

تبدأ أعماله المترجمة إلى العربية، بما عُثر عليه أخيرا ونشر في 2014، " المنوّر / Skylight / Claraboia"، وهي الرواية الثانية في القائمة التوثيقية لأعماله، فلم تترجم الرواية الأولى " أرض الخطئية / Land of Sin / Terra do Pecado" حتى الآن. يعتبر هذا " المنور" غريباً عن ساراماغو  الذي سنعرفه بعد ذلك. وهذه التجربة الأولى الملتزمة بفنيات العمل الروائي المعروفة، لم تحقق لساراماغو ربما طريقته الخاصة في أن ينتج شيئا مختلفا وجديداً، لكنها كانت عملاً تاماً سنلقي عليه الضوء في نهاية هذه المقالة.

تقوم فكرة العمل عند ساراماغو على ثقل ثقافته الكبيرة أولاً، وعلى اجتراحه أسلوباً فنياً خاصاً وجديداً، يرتكز على تحطيم كل أساليب ونظريات البناء والرواية. فهو لا يعترف بنائيا بأية خدع أو احتياجات فنية مستخدمة، غير ضرورة أن تكون هناك قصة ما، ولتروى على طريقته فقط. العنوان الأكبر لقالبه ما يمكن أن نطلق عليه" الإفتراض"، ويستعمل هذا الإفتراض محركين يعمل من خلالهما، التاريخ أولاً، وما يمكن أن نسميه بـ " المضاد" ثانياً، أو الفكرة العكس. تُنشأه هذه القولبة والنمذجة بأنواع وعلى درجات متفاوتة ومختلفة. ويكوّن قالبه الإفتراضي، المخيلة والغرابة. أما الموضوع، والمتحصلات الفكرية، فهي في الغالب مستنتجات نهائية تدور في ضوء رؤية العالم، وأزمات الإنسان المعاصر. فباستثناء "المنور"، تقع أعماله بعد ذلك تحت هذا الثقل الفني. فيما يلي تعريفاً موجزاً بعناوين الأعمال وفقاً لترتيب كتابتها، نبدأ بـ " كتاب الرسم والخط  / Manual of Painting and Calligraphy " التي يقدم لنا فيها سيرة ذاتية يكتبها رسام الوجوه/ البورتريه اسمه السيد " H"، ونتنقل بين فصل لهذه الحياة بكل اضطرابتها، وفصل آخر عن فناني الرسم العالمي، تاريخ اللوحات، مبدعيها، وقراءتها أيضا، فلدنيا قصة تجاورها مدونة متخمة بثقافة وتاريخ الفن، فيما تشبه سيرة يكتبها البطل. بعد ذلك تأتي رواية " ثورة الأرض  / Levantado do Chão /Raised from the Ground" والتي تقرأ حياة ما يشبه جيلين متصلين من عمّال الوسايا في البرتغال مروراً بأحداث ثورة القرنفل عام 1974، سيطرة الإقطاعيين على العمّال وقصة اعتقال " جوان المنحوس".  في " سنة موت ريكاردوريس/ The Year of the Death of Ricardo Reis" يستعرض عودة طبيب عام من البرازيل إلى لشبونة، لتناظرها شخصية " فرناردوا بسوا" كالمرآة وكالظل التي تزور "ريكاردوريس" لتتأمل معه الحياة والإستجواب الأمني، وأحداث الحرب التي هي على وشك الوقوع. في " الطوف الحجري/ The Stone Raft " يفجر ساراماغو افتراضه وفكرته الرمزية بانفصال شبه الجزيرة الايبيرية عن أوروبا، ويصف إلى جانبها قصص أربعة أشخاص تحدث لهم حالات غريبة، يجتمعوا لتبدأ الغرائب.  في " قصة حصار لشبونة / The History of the Siege of Lisbon " يجتمع الافتراض بالتأريخ متأزما، حين يتعمد مصحح الكتب، وضع"لا"، عند تصحيحه لكتاب - لطلب ملك البرتغال من الصليبين مساعدتهم لحصار لشبونة 1147م، بدلاً من "نعم" التاريخية المُنجزة، ليعود ساراماغو ويتأمل حركة هذا التأريخ والقصة الداخلية للمحاصِرين والمحاصَرين، مع مزاوجة قصة حياة المصحح لاعادة كتابة هذا التأريخ ملفقاً. ثم بعد ذلك، التأريخ مُفترضاً ومعدلاً مرة أخرى في " الانجيل يرويه المسيح / The Gospel According to Jesus Christ " باعتبار ولادة المسيح من زواج يوسف النجار ومريم العذراء. المرحلة التالية تتميز بذروة الافتراض وانسحاب التأريخ في روايته "  مقالة في العمى / Ensaio sobre a Cegueira "، حيث يكون الافتراض/ المضاد، كل ما تقوم عليه الرواية. فيصبح العمى هو السائد. وفي نفس المسار مع إيجاد بطل وإسم له يكتب " كل الأسماء /  Todos os Nomes /All the Names"، حيث تسيطر فكرة غريبة لا تبرير لها بتتبع حياة امرأة مجهولة من  قبل" دون جوزيه" بطل العمل.  يكتب بعد ذلك " الكهف / A Caverna / The Cave " ويؤجل فيها غرائبية الفكرة إلى نهاية العمل، ويعتمد على البناء القصصي. يعود الافتراض بقوة بعد ذلك في " الآخر مثلي / O Homem Duplicado / The Double" حين يكتشف معلم تاريخ تشابها تاما بينه وبين ممثل صاعد، لتتبادل تلك الحياتين بشكل ساراماغوتي. يستكمل الافتراض وحده - في هذه الموجة المتتابعة، بـ "البصيرة / Ensaio sobre a Lucidez / Seeing "، حين يصوّت المقترعون بنسبة عالية في انتخابات هذا البلد غير المسمى طبعا بأوراق بيضاء، لتقوم الحكومة بمعاقبتهم، وهكذا يقوم العمل على استعراض الحالة العامة، ويعود إلى  شخوص" العمى" ليكملوا العمل. بعد ذلك يستمر الافتراض في " انقطاعات الموت / Death with Interruptions "  حين ينقطع الموت في بلد ما، ثم يعود على كيفية ساراماغوتية خالصة، مع الإعتماد على بعض القصص من ردات الفعل العامة. بعد الثمانين يكتب ساراماغو " الذكريات الصغيرة / As Pequenas Memórias / Small Memories " ويصنفها كرواية، وهي استذكارات لطفولته أو لما يعتقد أنه يتذكره منها. يعود التاريخ أخيراً في " مسيرة الفيل  /  The Elephant's Journey " فيستعين بحادثة إهداء ملك البرتغال الفيل سالمون لأرشيدوق النمسا، ليبتكر تفاصيل تلك المسيرة، ويختم أعماله بـ "قايين / Caim / Cain" وهي ذروة غيظه من فكرة الإيمان والإله، ويستعين بتاريخ الأنبياء هنا، وبقابيل القاتل بطلأ للعمل، وينهي العمل بالافتراض أيضا، حيث تنتهي الرواية على نهاية مغايرة لما حدث في القصة اللاهوتية للنبي نوح وسفينته. هذا الإستعراض كان للأعمال المترجمة للعربية فقط.

الفكرة الغرائبية/ الخيالية في شكلها الإفتراضي هنا، تتطلب عملا جاداً في بنائيتها. ويعتمد الكاتب على ثقافته حين يلتزم واقعة أو حدثاً تاريخياً أو جداراً من التاريخ كما في " ثورة الأرض" و " الطوف الحجري" - يعتمد هنا على الجغرافيا أكثر- و" قصة حصار لشبونة" و " الانجيل يرويه المسيح" و " مسيرة الفيل" و "قايين" بتعبئته بالمعلومات التي تضفي جوا عاما ومصداقية فنية إلى حد ما يناسب مصداقية السيد ساراماغو. وفي الافتراض الكامل كما في " العمى" و " البصيرة" و" الآخر مثلي" و "انقطاعات الموت" وغيرها، يعتمد على استعراض الحالة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفلسفيا، قالب واحد لا يمكن الخروج منه. فالنتيجة والموضوع الذي يود الكاتب اشعاله هو ايجاد جو أو نوافذ من البصيرة عن العالم، باعتباره مهموما بالانسان. بين الفكرة/ الموضوع والقصة/ البناء تقوم اللغة بدورها لتجمع هذا الشتات. ولغة خوزيه ساراماغو هي لغة تبحث عن ذاتها، ففي بناء يقوم على الافتراض والمخيلة والغرائبية وتقل فيه الحاجة والاعتماد على السرد المنساب بخلق التصاوير والوصوف والأجواء، ينحو الكاتب ناحية تخليق لغته الخاصة، والتي يغلب عليها ما نسميه باللغة الإعتراضية، لتُحدث بنائية اعتراضية على طول أعماله. وأهم مظاهرها، الجمل التقديمية والمقالية، الإستطراد القصير والطويل، الشروح القارئة لحركات الشخوص أو أفكارهم أو ما يفترض أن تكون عليه أفكارهم أو حركاتهم، التعقيبات على فنيات البناء، وكل هذا عبر صوت ساراماغو الناقد والكاتب والمراقب، لا صوت الراوي ولا أحد ابطاله. بشكل إنطباعي يمكن وصف هذه اللغة، باللغة المشحوذة بالمراجعة والقلق والبحث عن الكمال، إنها تشبه لغة مريض نفسي مهووس باحتمالية المعاني، تتحول في مرات أخرى إلى لغة طافية وساخرة، لكنها لغة لا تثور، تتحسس الأمكنة والرغبات ولا تعلن عنها. ساخرة؛ فهي متحولة بين الكاتب ساراماغو الذي هو ذاته الراوي إلى المروي عنه/ الشخوص، دون أي تحييد، حيث لا حدود بين هذا القاطع الفني. ولهذا اعتمد المترجمون ضبط أول حرف في الحوارات المتداخلة بحجم/ بنط أكبر، ليميز القارئ أنه بصدد حوار جديد للشخصية الأخرى - على الرغم أن هذا لم يمكن ضرورياً، فالقراءة يمكن أن تحيد الحوارات وتعطي كل شخصية جملتها. يصبح تعدد الأصوات المشتبك ثيمة فنية عامة وأساسية في كل ما سيأتي، فقط عليك الاعتياد على هذا. في الهامش سأقدم بعض الأمثلة، لذلك المراقب والناقد المتطفل، الذي يقاطع فعل القراءة ليعلن عن وجوده. 

إن مراقب اللغة هذا والناقد المتطفل، هو أحد أذرع لغة ساراماغو الإعتراضية. وهذا الناقد يذكرني بسخط وقع لي من مترجم لكتاب عن إحدى الشخصيات التاريخية، ففي كل صفحة كان هناك هامش من عدة أسطر، والهامش هو للمترجم فقط. فعند كل إسم أو معلومة لا تحتاج أي شرح، يصيح لك من الاسفل ليقول، هل تذكرني أنا المترجم، تعال وأقرأ هذه المعلومة، عن هذا الكتاب الذي اترجمه لك؟!.




الهامش: 

إن ساراماغو دائما ما يقطع. إنه يقطع السرد القارئ والمناقش للطبيعة الانسانية من خلال الشخصية أو التأملات البحتة، فهو لا يكمل به إلى قمة قريبة أو حتى أعلى منتصف هذا البناء، يقطع هذا البناء الفني المصور للحظة أول فكرة لينهيها بما لا يثير الوجدان أو السؤال الحائر. ومن خلال مشارط القطع هذه يتيه ويغرق في الجمل التقديمية، تلك المقدمات والتحليلات التي تفطر القلب لأنها لا تخلق وعيا للقصة، أو انها لا تكاد تسعد بخلق هذا الوعي الذي يبنيه عبر الافتراض/ الخيال/ الغرابة، إنه يقطع نفس القارئ وهو يبرر علاقة ما أو حركة ما. ها هو الناقد يناقش معنا كقرّاء تماسك شخصية بطل " قصة حصار لشبونة" : " سوف يسأل من يهتم بمنطقية الأشياء: هل يُعقل ألا يكون رايموند سيلبا قد فكر ولو مرة خلال هذا الوقت الطويل في المشهد المخزي بدار النشر، أو، أنه لو فكر فيه فلماذا لم يبح بهذا التفكير من باب الحفاظ على تماسك الشخصية ورجحان تصديق ما يصدر عنها.". مثال آخر على بزوغ رأس الناقد في أعماله، في نفس العمل " خلاصة القول إن رايموند سيلبا لو مشى على قدميه من دار النشر حتى بيته ما كان سيبتل أكثر مما هو عليه الآن، وخلال المسافة إلى البيت مرت عليه لحظة كريهة - ولو أردنا إضفاء البعد الدرامي على الموقع نقول مخيفة بدلاً من كريهة- ....". إذاً، سنقول أن قمة السخرية عند القارئ هو أن يغضب أو يسخر من اعتراض ساراماغوي، كان القصد منه تدقيق ومراقبة الوصف للقارئ، ولكن حين يتحول العمل إلى اعتراضات ليست فقط في شكل جملة بين شرطتين اعتراضيتين ولكن على وجوه أخرى متعددة، يصبح صوت هذا المراقب ثقيلاً وصعباً. في منتصف هذا العمل، وحين ينهي البطل مكالمة مع حبيبته يستوقفنا ساراماغو، ليجمد شخوصه في تمثال شمعي، وينخرط في سباق حميم نقدا وتحليلاً لشخصيتيه ولا يوفر أي قصة من التاريخ ليضمنها عينه المتلصصة على العمل، إنه يقول : " انتهت المحادثة بكلمتي "مع السلامة".... ومن الظلم في هذه الحالة ترك أحدهما لكي نتفرغ للحديث عن الآخر، لقد تبين من قصة أخرى أشد إغراقاً في الخيال أنه من المستحيل - ذهنياً ومادياً- وصف النشاط المتزامن لشخصيتين،...، رغم حرص الراوي واهتمامه بما يعتقد أنه يصب في مصلحة موضوعية الحكي ويُرضي الطموحات المشروعة لهذه الشخصية أو تلك - رغم كونها ثانوية - بتفضيل أقوالها المتواضعة وأعمالها القليلة على الكلمات والأعمال المهمة للشخصيات الرئيسية أو الأبطال؟ وما دمنا ذكرنا الأبطال أناشدكم بأن تستحضروا معي - كمثال توضيحي- تلك اللقاءات المدهشة.....( قصة ). أما بالنسبة لرايموند سيلبا وماريا سارة فإن المسألة جد معقدة، لأنهما شخصيتان رئيسيتان، وسيظلان هكذا حتى النهاية، إن إيماءاتهما وحركاتهما وافكارهما المتزامنة تمثل في نهاية المطاف صعوبة لا يمكن التغلب عليها،.." ها هو يفتح نافذة تتسع مع انتفاخ رقعة الناقد، لينافح عن خاطره الفني المراقب لشخوصه، والذي يمكن التغلب عليه فنستعمل هذه الفنية بصمت، أو لا يمكن بالمرة التغلب عليه، فهذه مشكلة اللغة المستحيلة أنه لا يمكن أن تقول كل شيء دفعة واحدة، فنتغاضى عنه بصمت أيضاَ. إن هذه اللغة الإعتراضية ستتحول لأداة فنية فعالة حين توظف بدقة.  فلو قُدمت ضمن نموذج خاص يسير بمحاذاة البناء أو يكوّن في العمل، وليس على هذا الشكل من الرغبة في تدوين ملاحظات الرواي عن عمله، ملاحظات اشبه بالثرثرة، يستبق بها عمل النقاد. يستعيد الكاتب التاريخ في هذه الرواية ليشق من خلال الحكاية قصة أخرى، وتتجاور القصتين وتتداخل لما يمكن أن نتحصل به على مادة فلسفية ومتابعة بطل القصة وحركته اليومية وافكاره المضطربة والقلق، لكن دون أي محاولة لأي تحصل شعوري وجداني ممكن عند أي تأمل وعند أي اعتراض. وبعد ذلك، فهو لا يستغني عن أن يكون جباراً حارقاً وفتاكاً بعمله، فالآن كيف يمكن أن تكتب رواية بفنية تحمل هذا التداخل إضافة إلى بناء مصداقية لتحريف سيرة القصة الأصيلة القادمة من التاريخ القديم المنجز عن حصار لشبونة؟!. يمكن هذا دون هذه المناورات المتقاطعة دوما بين صوت القاص والناقد المتفضل على القارئ بطرح أسئلة العمل والإجابة عليها.  إن ساراماغو لا يستغني عن أن يكون فتاكاً بعمله، لأنه يسلط على هذه الرؤية الساخرة في كتابة الرواية هذه الأدوات المشرطية الثقيلة والحادة المتثملة في اللغة الاعتراضية بالنقد والاستطراد. كتب ساراماغو " الطوف الحجري" قبل " قصة حصار لشبونة"، وسيضع ما يشبه قصتين متجاورتين أيضاً، واحدة لشخوصه التي تحدث لهم حالات غير اعتيادية، والثانية هي انفصال شبه الجزيرة الايبيرية، مع يتبعه من ردات فعل الحكومة والجماهير. نلحظ هذه اللغة وهي تتمركز في كل مكان لوحدها. فساعة ما يود مثلاً أن يدخل إحدى الآلات الزراعية أو الصناعية أو يخترع آلة فضائية ما، ليضمنها داخل العمل ويخلق بنائية صغيرة، فهو يستهلك الخمسة الأسطر التالية ليسرد فيها  كل الأنواع المشابهة لتلك الآلات، لنختار مرة نوعا من الزهور  أو الحشرات أو البلدات البرتغالية الساحلية مثلا، ستكون هناك خمسة أسطر فقط من الأسماء فيما يشبه القاموس. ويصح أن نسمي هذا انغلاق اللغة بدلا من تمركزها. في هذا العمل نجد كثافة للأسماء، أسماء القرى والأبطال والبلدات إنما في شكل ذلك الانغلاق، فهدف اثبات مصداقية الحدث لا يقع بذكر تلك الأسماء، إنما بتوظيفها فنياً من خلال السرد. إن غرابة فكرة العمل الساحرة حاصرها هراء تلك اللغة الصحفية الاستعراضية. ومع هذين العملين كنت استغرب جدا قدرة الكاتب على قتل روايته، فلديه لغة ذكية مرنة وشجاعة يمكن أن تحمل على أكتافها الفكرة والقصة معاً إلى مكان أفضل. إن هذه الفنطازيا التاريخية والجغرافية في العملين والملغزة والمشوقة تدمرها تلك اللغة الميكانيكية والمقالية والتقدميات الكشفية التي تبغي احداث الاقناع، بينما كان يمكن هذا بمزيد من احداث الأثر الفني باللغة القاصة والساردة المناسبة.


مرة أخرى - تحت هذا التصنيف، إلى أكثر أعمال خوزيه ساراماغو صفاءً ونأياً عن البنائية الاعتراضية، وهو " الأنجيل يرويه المسيح"، ولكننا سنتوقف عند مثال للغة المراقب والناقد المتطفل. يقول في بداية فصل في منتصف العمل، " لقد قيل الكثير حول مصادفات الحياة، ولكن قيل القليل أو لاشيء حول المواجهات اليومية التي تكاد تقود وتتحكم بالحياة دائما،..." يواصل في هذه اللغة المقالية عدة أسطر حتى يكتب، " عندما يناقش النقاد أصول السرد المؤثر، فإنهم يصرون على أن المواجهات المقررة، في الأدب القصصي كما في الحياة، لابد أن تتداخل وتتقاطع مع أحداث أخرى لا أهمية حقيقية لها، لذلك يجد بطل القصة نفسه متحولاً إلى إنسان مفرد لم تحدث له أبداً حوادث عادية، وهم أيضا يرون أن هذه هي العملية السردية التي تخدم التأثير المطلوب دائماً للمحتمل على أكمل وجه، إذ لو أن الحادثة المتخيلة والموصوفة من غير المحتمل أبدأ أن تكون أو تحل محل الواقع الحقيقي، فلابد على الاقل من نوع من المشابهة،..." وهكذا يوجه لنا الناقد ساراماغو رؤيته الفنية والنقدية ليعود إلى جذب المسيح إلى قصته من خلال هذا التداخل الساراماوغاتي العجيب. العمل يوحي جهداً عظيماً في تتبع وتعديل قصة المسيح منذ الولادة وحتى الصلب لتناسب رؤية ساراماغو المادية ربما. كل ما يشوه هذا أن يطل علينا بوجهه كل مرة، ليقول ها أنا هنا وها أنا اكتب، فحين يتحدث عن أسماء كـ " فولتير" أو عن آلالات وأشياء لا يحتملها المدار الزمن الفعلي للرواية إنما يمثل هذا تجبر لغة الكاتب على العمل، فمصداقية العمل تفرض أن تخلو من هذا. يتابع هنا بناءه الجديد لحركة المسيح ويحتفظ بمسار لغة الحوار المفتشة والقارئة، التي كانت مساعدة جداً حتى حينما كانت ساخرة تحلت بثياب الجدية، فحملت سخرية أعمق. لقد أعاد قراءة نفسية لحياة المسيح، أحلامه وكابوسه، علاقاته بأمه بأبيه، بالذنب الأول، وبإخوته، بحبيبته المجدلية، ثم بالرب والشيطان. أين نجد لغة ساراماغو الحلوة هنا؟، في الحوار الطويل الذي وقع بين الرب والمسيح بحضور الشيطان، كانت ذروة السخرية والقلق. في الرابعة والثمانين أتم ساراماغو عمله قبل الأخير " مسيرة الفيل"، بعد وعكة صحية كادت أن تقضي عليه، يقع العمل تحت هذا التصنيف، وهو أقرب أعماله فنيا إلى "الأنجيل يرويه المسيح". ومع بداية العمل ينبهنا ساراماغو المراقب " لكي نستطيع فهم ما يحدث هناك في هذا الشأن. سنستخدم مقاييسنا المعاصرة في المسافات، دون ان يتحتم علينا اللجوء باستمرار لجداول الضرب المرهقة. الأمر بهذه الصورة سيشبه فيلماً نصنع له مونتاجاً بلغتنا ليسد الجهل والمعرفة غير الكافية باللغة التي يتكلم بها الممثلون، والفيلم كان مجهولاً بالطبع في القرن السادس عشر". نعم، إنه يشرح لنا بأي خطاب سيستعين في هذا العمل، وهو الخطاب المعاصر، المقاييس المعاصرة، وعلى الرغم من هذا التطفل الطيب والمبارك إلا أنه لا يفي به، وهو يستعمل مقياس " فرسخ" - خطاب عصر القصة، فيما بعد. وهناك تفاصيل كثيرة أخرى، يجبرنا على خوضها،  ثم يحكي لنا هنا مبرراً لماذا يلجأ لها، " هذا الوصف، الذي يبدو للكثيرين مفرطاً لكثرة التفاصيل التي نلجأ إليها عمداً، له هدف مفيد، وهو تنشيط ذهن سوبهرو حتى يصل لنهاية متفائلة حول مستقبل المسيرة". وعلى الرغم من نضوج هذه اللغة الاعتراضية في عمله هذا قبل الأخير، حين يستل من القصة ما يؤام به مع ملاحظة الناقد ساراماغو كما في المثال السابق والتالي، إلا أن هذا التطفل كان شاقاً دائماً، " لم نتجنب في هذه الحكاية اعتبارات شبه يقينية عن الطبيعة البشرية، ودوناها بإخلاص وعلقنا عليها طبقاً للموضوع المطروح بفكاهة اللحظة. ما لم نكن ننتظره بصراحة، هو أن نسجل فكرة كريمة للغاية، شديدة السمو، في غاية الرفعة، مثل تلك التي عبرت بذهن القائد بومضة البرق، وهي أنه يجب أن يضيفوا إلى شعار أسلحة الكونت مالك هذه الحيوانات، في ذكرى هذا الحدث، ناقوسين، أو جرسين، كما يسمونه أيضاً". جملة طويلة جداً، متكاثرة ومترادفة، قد تعني أخيراً سخرية تخنقها عذاب اللغة. مثال آخر على هذه النقطة، " ربما تعتبر هذه ملاحظات غير ضرورية لقراء مهتمين بديناميكية النص، وهي ملاحظات تطمح أن تكون تضامنية، وبشكل ما مسكونة، لكن فريتس -كما رأينا- بعد أن فقد همته جراء الأحداث الكارثية الأخيرة، كان يحتاج إلى يد صديقة توضع على كتفه، وهذا ما فعلناه، وضعنا يدنا على كتفه". وكما في " الأنجيل يرويه المسيح" حين يتجاوز الكاتب ضابط الزمن الفعلي للقصة، فيحق لحائز نوبل، أن ينسل من قصة مسيرة فيل القرن السادس عشر ليستطرد في ثقافته، وعلينا معذرته لا ادري لأي سبب، وحين نقرأ فلنسمح لأنفسنا على الأقل بالتوقف ومحاولة الاستغراب إن أمكن لنا هذا، " تجرأ هينبال على التقدم عبرها وربما لم نضطر لانتظار موقعة كناي العظمى لنحضر، في سينما الحي، الهزيمة الأخيرة والنهائية للجيش القرطاجي على يد إسثيبيون الإفريقي، في فيلم أنتجه الابن الأكبر لبينيتو، فيتتوريو موسوليني.". وخطأ الروائي حين تغلبه ثقافته الكبيرة على حملها كخلفية لا أكثر بدلاً من التصريح بها، هي ذاتها التي تحمله بكل هذا التواضع من قبله، والتعب من قبلنا على أن يعتذر عن أخطاء عمله ضمن هذا التكوين العام، ليقول : " مؤرخ هذه الأحداث ليس لديه تخمة في الاعتراف بأنه يخشى ألا يكون قادراً على وصف المضيق الشهير الذي ينتظرنا فيما بعد، هو من توجب عليه، عند مضيق إيساركو ، أن يخفي عجزه بأفضل ما يمكن، مطنباً بمواد ثانوية، لعلها ذات أهمية في ذاتها، لكنه هرب بوضوح مما هو جوهري. من المؤسف أنه في القرن السادس عشر لم يكن التصوير الفوتوغرافي قد اخترع بعد، لأن الحل حينئذ كان سيصير في غاية اليسر، فكان يكفي إدخال بعض صور الفترة هنا، بخاصة لو تم التقاطها من خلال طائرة مروحية، وكان القارئ سيمتلك كل الأسباب ليعتبر نفسه راضياً بشكل واسع وليعترف بالجهد المعلوماتي الهائل لكتابتنا. وبالمناسبة، فقد حان الوقت لنقول إن المدينة الصغيرة القادمة....". مع هذه الأمثلة والملاحظات، فالعمل في غالبه يتصف بصفاء سردي، وحركة متنقلة حثيثة بين الصوت والحوارات والتقديمات والتأخيرات جاءت على شكل معلومات أو سخرية ساراماغوية ما. يتبقى أن نقول أن " الساراماغوتيات": الإستطراد، التعقيب الفني على حدث أو حركة، مراقبة اللغة بقرائتها وفلسفتها إلى آخر القائمة، سيطرت بشدة على الربع الأخير من العمل، وهو ما دفع الكاتب أن يبتكر ارتباكاً فنياً بالضررة عبر لغته لنقد أخطاءه الفنية، أو لنقل عقبات ضبط القصة منطقياً، أو خلوها منه. وهذا هو ما يضفي حسرة لا تنقطع في أيّ من أعماله. فهو يود أن يقول فلنحكي كل شيء بوضوح، هذه رواية وأنا أكتبها ولن أكون خلفها، سنكون معاً، هكذا فلنفتح كل الأبواب على آخرها وعلينا ألا نشعر بالخجل. وباعتبار لمحات قصصية سريعة أراد منها وصف الحالة الدينية المشؤومة المسيطرة على شعوب أوروبا حينها، والتي يقطع من خلالها الفيل مسيرته، حين كانت بقبضة محاكم التفتيش، وظف من خلالها استعارات قصصية ساخرة عن تلك المرحلة، وحادثة أخيرة أنقذ فيها الفيل طفلة من الموت، باعتبار هذين الحدثين اللذين كان ساراماغو كالعادة يخيط آخرهما بلغته الإنشائية والمستفزة القارئة للحدث، كان العمل حركة مملة وتنقلاً ثقيلاً، لا نخرج منه إلا ببعض فلسفات ساراماغو المتفلسفة، والتي يمكن أن نستعملها كاقتباسات طيبة ومباركة، نُحدث بها عن أنفسنا أو نغيظ بها آخرين لا نحبهم.

أخر الأعمال تحت هذا التصنيف، هو آخر أعمال خوزيه ساراماغو "قايين". الذي ينفث أو يبث فيه غيظه الكبير من فكرة الإله وقد أسماه بالسيد، ويكيل لها كل هذه الشتائم، الحاقد، الحاسد، الخبيث، المجنون، الأصم، على طول العمل. ويقوم التحريك باتخاذ قايين/ قابيل بطلاً متجولاً داخل قصص الأنبياء يتحدث إليهم، يسخر منهم، ويغويهم. وهذا التنقل هو حالة الافتراض/المخيال/ الغرائبية، التي يتوسلها ليفتت هذه القصص ويسخر بها. وأيضا نلتقي بناقدنا الطيب هنا مشتبكاً بالنص، " بينما هابيل المزيف يمضي سائراً نحو الساحة حيث سيلتقي، حسب كلام الشيخ، بقدره، سنلتفت إلى هذه الملاحظة المناسبة التي يبديها بعض القراء المتيقظين، ممن هم منتبهون على الدوام ويرون أن الحوار الذي انتهينا من تسجيله على أنه جرى هو أمر غير ممكن سواء من الناحية التاريخية أو الثقافية، إذ لا يمكن لفلاح، يملك القليل أو لا شيء من الأراضي، وشيخ مسن لا تُعرف له مهنة ولا منفعة أن يفكرا أو يتكلما على هذا النحو. ولدى هؤلاء القراء الحق، وإن كانت المسالة لا تعتمد كثيرا على امتلاك أو عدم امتلاك أفكار أو مفردات كافية للتعبير عنها، وإنما قدرتنا على أن نتقبل، وإن يكن لمجرد تعاطف بشري وتساهل ثقافي، أن فلاحاً من أول عصور العالم وشيخاً معه نعجتان مربوطتان بحبل،...... . وما فعلناه نحن، ببساطة، هو أننا نلقنا إلى البرتغالية السائدة كبديل..."، إلى آخر طرح الناقد الذي نلمح فيه سخريته من عملية النقد. على الرغم من أن أي بناء فني يحتمل أن يُسرد على أي كيفية، وعلى أن يحدث التنقل عبر أحداثه بإيقاع معين يفهمه القارئ، وحين يفهمه لن يصبح بمقدوره أن ينقد وجوده الأصيل. وفي جملة أوضح أخرى، إنني أفهم ضمناً أنه يمكن لأي كتابة ألا تلتزم بأية قواعد لتكون كتابة مؤثرة وعالمية، ولكن حين تخلق لها ومن ذاتها قواعدها الخاصة، رتمها ولغتها وإيقاعها وحركتها الخاصين. وهنا فقط ادون هذا الولوغ المختوم بختم ساراماغو لا أكثر، حيث لا يكاد يصفو السرد حتى يعود لنا هنا مرة أخرى ليقول بعد أربع صفحات " وكيلا نُثقل الرواية بتفاصيل تاريخية يمكن تجاوزها، سنمضي دون التمعن في قائمة المأكولات المتواضعة، ومكوناتها التي لا نستطيع من جهة أخرى، تحديد بعضها". إن كانت مثل هذه الاعتراضات قد توحي بسخرية الكاتب أو باعتذاره فعلاً عن إيراد هذه التفاصيل، فكان الأفضل ألا يتطرق إلى إحطاتنا علماً بذلك، لأن ما قد يظهر لنا هو ضعف البحث عن تلك المعلومات، عوضاً عن ثقلها. تتمة هذا الافتراض يقع في النهاية، حين يركب "قايين" في سفينة نوح، ويلقي ببناته وأزواجهم مرة تلو الأخرى من السفينة، ثم يغوي نوحا بالانتحار، وحين ترسو السفينة يخرج قايين للسيد المتفاجئ ليخبره أنه قد أنهى هذه اللعبة. هنا نلاحظ أن حيلة ساراماغو مع قرائه لا أن يلغي فكرة الإله، كما أيضا في" الأنجيل يرويه المسيح" فالمسيح يلتقي بالرب هناك. ولكنه يعتمد على تحطيم هذه الفكرة لهم، عبر السخرية من تلك الوقائع المدونة في الكتب المقدسة، ففي "قايين" يركز على الافعال الفاحشة التي وقعت للأنبياء، عذابات وحرمانات الشعوب التي تعيش مع الأنبياء، يدير حواراً بين الرب والشيطان في لعبة تحدي كما في قصة " أيوب"، يقارن بين قصة هابيل وقابيل وقصة ذبح إسحاق على يد أبيه، ويكرر ببساطة: ما ذنب هؤلاء الأطفال؟، يقصد بهم أطفال ونساء قرية سدوم المدمرة. إنه يقدم قايين كلمحد يناقش السيد الإله، ليكرر سخريته من أحاديث الملائكة التي يلتقيهم بأن حكمة الإله بعيدة الغور، ولا نعرفها، ولا نعرف لماذا فعل ما فعل، فهناك حكمة ما وهي بعيدة الغور. وعلى الرغم من حججه الساخرة، إلا أنه لم يناقش الحجج الأخرى التي يود تحطيمها، ونحن لسنا بصدد مناقشة حججه الساخرة، بل بتقييم اعتراضاته المقدمة في شكل افتعاله لأقوال للإله وللأنبياء والملائكة لم تُذكر في الكتب المقدسة لأتباع هذه الديانات.



نستعرض فيما يلي، تلك الأمثلة، تحت التصنيف الآخر لأعمال خوزيه دي سوسا ساراماغو، وهو الإفتراض الكامل، القائم على ما يضاد الطبيعية والاعتياد. ويمكن تصنيفه على درجات. ففي الذروة تكون رواية " العمى" ثم " انقطاعات الموت" و " الآخر مثلي" و " البصيرة"، وفي درجة متوسطة تأتي " كل الأسماء" وأخيرا يمكن اعتبار " الكهف" تحمل تكيفاً مختلفاً حتى ما قبل النهاية حيث تعوض الأمثولة انخفاض الموضوع والخيال والغرائبية. وعلى الرغم من أن " الطوف الحجري" تستحق أن توضع تحت هذا التصنيف، إلا أن فيها من الفوضى الغرائبية ما أحيل القارئ إليها، وما يجعلني أيضا استغني عن سرد أمثلتها. يمكن أن اميز سبب شهرة " العمى" بالتالي: تحصل الكاتب على ذروة الفكرة الغريبة/ الإفتراض، وهي فكرة معاشة لكنها غير متصورة على هذه الكيفية، لتُتخم بالرمزية بسهولة. انسحاب الناقد السيد ساراماغو كثيراً إلى الوراء، مما ساهم في تدفق السرد وتحرره من تلك اللغة المتوقفة عند كل جملة لتحل وتعقد، وهذه اللغة المتتالية ولدت ايقاعا متسارعا للقص يدفع للمتابعة والإنسياق، وأخيراً عدم تفلت الإفتراض إلى ساحة أخرى كما حدث في " البصيرة" و " انقطاعات الموت". ولكن السؤال هل تخلى الكاتب عن جمله التقديمية والتنظيرية المستطردة بالمرة؟، لم يحدث هذا، ولكنها في مجملها لم تؤثر على سير العمل. إن قارئ ساراماغو قبل "العمى" يشفق على عدم تمكنه من توليد لغة رومانسية كان يحتاجها العمل كثيراً. ولغة " العمى"، لغة ذكية إلا أنها تخلو من توالي وترابط الوعي السردي الذي يحولها إلى أكثر من مجرد لغة عملية إلى لغة مؤثرة. وهنا يمكن أن نقول أن ساراماغو هو عالم بالمفردة واللغة أكثر من هو فنان بهما. إن الجمل التي تنتهي بعبارة " أجهشت بالبكاء" في " العمى"، لا تحدث فينا ذلك التأثير، لأنها لم تحمل خلفها - في وعيها وبنائها- ما يجعل إيحائها قوياً وكاملاً وشفيفا - إن أحببتم، فكأنها جمل معملية وصفية لا أكثر. خير مثال كان يفترض أن تثور فيه اللغة وتخرج من هذا اللحاف الوصفي المجرد، مشهد قضاء الحاجة للعميان في الحديقة على مرأى من زوجة الطبيب، سبعة أسطر كان بالإمكان الاستطراد فيها يا سيد ساراماغو لجعلها مقززة ومبكية معاً. إذاً، فاللغة هي شاهدنا الوحيد على أمثلة هذه الرواية، لأن الكاتب وظف لغته هذه المتحركة السريعة التي يلجأ إليها أحيانا في أعماله السابقة لتحريك العمل، على طول " العمى"، وهذه الحركة حملت في يدها الوصوف والتصاوير لحركة الشخوص وخواطرهم، وقليلاً ما نفس الكاتب عن تلك الخواطر لتصبح تأملية أو شاعرية ليس لأجلي، بل لضرورة ما يود أن يحكيه. فجملة واحدة رومانسية حزينة وغنائية ربما كانت لتختصر سطوراً كثيرة من الترق والتخييط الجاد. دعونا نقول أن تراجع الناقد مراقب العمل إلى الخلف أسهم كثيرا مع ما سبق في عالمية العمل وصوله إلى القراء على تنوع اهتماماتهم. ماذا سيفترض خوزيه ساراماغو من فكرة مضادة بعد ذلك؟، إنه يفترض بعد عشر سنوات من نشر " العمى"، إنقطاع الموت. يطرح الإفتراض سريعاً في أول عشرين صفحة على الأكثر في " إنقطاعات الموت"، ثم يعاين ردات الفعل. وعلى هذا المنوال تقوم أعماله تحت هذه التصنيف. تتمثل هذه الردات من قبل الحكومة أكثر كما نعاينها في "البصيرة"، وبشكل اقل في" الطوف الحجري" و" العمى". وفي هذا العمل " إنقطاعات الموت"، يعتمد على ردة الفعل هذه من قبل الحكومة والمؤسسات الحكومية والأهلية والمجمتع المُصاب، والذي يكتشف أن إنقطاع الموت هو كارثة حلت به، وليست نعمة سماوية حالمة. بعد هذه التقدمة، ننتقل إلى الأمثلة. يعبرّ ساراماغو في هذا المثال الذي يمكن لكم أن تعاينو لغة الاستطراد فيه عن صبر قارئه عليه، فيقول في بداية فصل بمنتصف العمل ما يلي : " من المحتمل أن تربية متقنة فقط، من تلك التي صارت نادرة، وربما يكون، في الوقت ذاته، الاحترام المتطير إلى هذا الحد أو ذاك الذي تبثه الكلمة المكتوبة في النفوس الهيابة، هو الذي حمل القراء - وإن كانت لا تنقصهم الاسباب لإظهار إشارات واضحة إلى صبرهم  المكبوح - على عدم مقاطعة ما رحنا نرويه باستفاضة، ورغبتهم في أن نخبرهم بما كان يفعله الموت منذ الليلة المشؤومة التي أعلن فيها عن عودته.". شكرا لك، والسؤال كيف لنا أن نقاطعك، وهل تقف أمامنا أو نحادثك على التليفون من الهاتف العمومي؟!. هذه النوعية من الجمل الممتدة المتتالية القادرة على قتل أي شعور جميل بالفضول، هي ما يربك إفتراضات الكاتب الفنية التي يعمل على بنائها وتركيبها. يعود مرة ليلقي بهدوء وسخرية باللوم على الرواي لإهماله، " ذلك أن تسمية الموت الأخرى لكتاب الموت، ومن الملائم أن نعرف ذلك، هي كتاب العدم. أزاح الهيكل العظمي مجلد الأنظمة جانياً ونهض. قام بجولتين في القاعة، مثلما يفعل عادة كلما احتاج إلى لب القضية، ثم فتح درج الأرشيف الذي فيه ملف عازف الفيولونسيل وأخرجه. هذه الحركة ذكرتنا للتو بأن هذه هي اللحظة المناسبة، وإلا لن تتاح لنا أبداً، لتوضيح المظهر المهم المتعلق بسير عمل الأرشيف الذي هو محط اهتمامنا والذي لم ننوه به حتى الآن، وهذا إهمال من الراوي يستحق اللوم عليه.". لا يكمن الخلل فيما اعتدنا عليه، وما سنكرره في بقية الأعمال، إنما، ما توحي به هذه اللغة غير الأكيدة على نحو ما، اللغة الاحتياطية التي لا تكتفي بهذا، بل المُسهبة أيضاً بشكل يحرض على الملل. في المثال الأخير هنا، يفترض الكاتب وقد انتقل لساحة أخرى في العمل تقوم على الفنتازيا أن قارئاً ما من قراءه سيكون موسوساً جداً -ربما هو أنا- ليسأل عن تفسير منطقية أن تدفع "الموت" وهو سيدة الهيكل العظمي المتحولة، في هذه اللحظة من العمل إلى كائن من لحم ودم على الواقع، تذكرة دخول المسرح. " من الطبيعي أن فضول من يتابع هذه القصة باهتمام موسوس وهاجسي بحثاً عن تناقضات، وزلات، وسهوات، وانعدام منطق، يطالب بأن نفسر له باية نقود ستدفع موت قيمة تذكرتي حضور الحلفتين إذا كانت قد خرجت قبل ساعتين من قاعة تحت أرضية لم يُشر إلى أن فيها صرافيين آليين ولا مصارف مفتوحة الأبواب. وبما أننا في ميدان التساؤلات، فإنه يريد ان نخبره إذا ما كان سائقو الأجرة قد تحولوا عن تقاضي أجورهم المستحقة من النساء اللواتي يضعن نظارة شمسية ويتمتعن بابتسامة لطيفة وجسد حسن القوام. حسن، قبل أن يبدأ سوء التفاهم بترسيخ جذوره، نسارع إلى التوضيح بأن موت لم تدفع المبلغ الذي اشار إليه عداد سيارة الأجرة فحسب، بل لم يفتها أن تضيف إليه إكرامية أيضاً. أما مصدر النقود، إذا كان هذا الأمر لا يزال يهم القارئ، فيكفي أن نقول أن النقود خرجت من الحقيبة نفسها التي خرجت منها النظارة الشمسية، أي من الحقيبة التي تحملها معلقة على كتفها، لأنه لا يمكن لشيء منذ البدء، وليكن هذا معلوماً، أن يحول دون إمكانية خروج شيء من مكان كان قد خرج منه شيء آخر". والسؤال هو؛ من طالب السيد الكاتب، أن يبرر حدثاً ما منطقياً تقوم أحداثه الرئيسة على الخيال والإفتراض والغرائبيات، خاصة في هذا الجزء التي وصل إليه العمل، حيث باتت الفوضى سيدة الفنتازيا. نلاحظ في هذا العمل، ما يمكن أن نسميه إفراط في الافتراض، فالموت يبعث برسالة يرد فيها على المصحح اللغوي، جيد، في سياق هذه الغرائبية تعتبر سخرية طيبة. ولكن إلى أن تغوص فلسفته إلى اعتبار الموت ميتاً!، فهذا شقاء فني. وبسبب سرعة بناء الإفتراض وتعويل السرد على ردات فعل المجتمع وحكومة هذا البلد والمؤسسات والتجار، فلم تحمل القصة ثقل هذه الفكرة، وما كان له أن يطول بهذه المكونات إلا ليتهدم، فجاءت القصة في شكل مرآة متشظية لا تعود بصورة كاملة، وهذا هو ما قاد الكاتب بعد منتصف العمل لإنشاء عقدة جديدة تمرره لقصة أخرى، ليغوص في الموت الأكثر بخلق فنتازيا وقصة جديدة في العمق، حيث يمارس علينا هذيانه وينشر علينا غسيل ثقافته وهنا الموسيقية بالذات. لكنه لا يعود بالمرة إلى حكاية ردات الفعل والقصص التي هنا والتي هناك - التي يعول عليها، للفلسفة وإكمال البناء. وتحول العمل إلى ما يشبه قصتين منفصلتين يربط بينهما خيط رفيع هو الموت الذي غصنا معه وفيه، كان ويجب أن يوجد هذا الخيط، وإلا فلن تقدم لنا في كتاب واحد. يحدث هذا أيضاً في " البصيرة" أو " الوعي"، والتي يكتبها بعد تسع سنوات من " العمى"، ويستعين بأبطال " العمى" أو ربما نقول، لينقذوه أبطال " العمى" لإكمالها، فهُم القصة المكلمة/ الإحتياطية لإتمام " البصيرة". يقوم الإفتراض في " البصيرة" على ما يشبه إجماع سكان العاصمة بجعل اقتراعهم في الإنتخابات بالورقة البيضاء، ومن هنا نلتقي بردات الفعل أيضاً كبناء وثيمة للدفع بخيوط العمل، ولكن بشكل تفصيلي أكثر، حيث ينقل لنا الحوار ما يقع بين رئيس الحكومة ورئيس الوزارة والوزراء من مناقشات بشأن هذا التصويت الابيض، والتي يقود الحكومة على نقل العاصمة إلى مدينة أخرى وضرب الحصار على أهل هذه العاصمة السابقة. وهنا ينجح ساراماغو في أن يدفع صوته الناقد والمراقب قليلاً إلى الخلف بحيث نسمح لأنفسنا بالتنفس في صفاء سردي جيد. وفي منتصف العمل، تبدأ الإشارة إلى أن هذه الأحداث تقع بعد أربع سنوات من حادثة العمى التي أصابت أهل هذا البلد، وتشير التحريات إلى سيدة يُقال أنها لم تفقد بصرها أثناء موجة العمى، وتظهر التحقيقات أنها ارتكبت جريمة قتل، ومن هنا يستل الكاتب هذا الخيط ليتتبع أبطال " العمى" وخاصة زوجة الطبيب، والتبرير الفني هو إيجاد علاقة بين التصويت الأبيض الذي حدث قريبا، والعمى الأبيض الذي وقع قبل أربع سنوات، باعتبار زوجة الطبيب هي المسؤولة. يقلص ساراماغو من حكاية ردات الفعل في النصف الثاني من الرواية، ويغوص مع المأمور المكلف بالتحقيق مع زوجة الطبيب والمجموعة التي كانت معها، ويتتبع حديثه الداخلي وحركاته وتطور تلك اليقظة عنده، والتي تقود أخيراً لتطهره ودفاعه عن هذه السيدة، وهنا، هذه البصيرة والوعي. وعلى الرغم من كل سخريات الكاتب في أعماله من قبل " البصيرة" وبعدها، فإن القهقهة الفعلية الوحيدة وقعت لي هنا، وهو ينقل وقائع المكالمات السرية بين المأمور ووزير الداخلية، مستخدمين أسمائهم المستعارة " البطريق" و " ببغاء البحر"، وبالذات في صفحة 293. نلاحظ هنا توجه ساراماغو في ظل هذه الحالة الإفتراضية، لتقديم المأمور كبطل، وهو يشبه أبطاله الآخرين وكأنهم ذات الشخص، فهو ريكاردوريس وريموند و دون جوزيه في " كل الأسماء" وترتوليانو ماكسيمو أفونسو في " الآخر مثلي"، رجال في منتصف العمر، يغلب عليهم الصوت الداخلي، والوحدة، وامرأة تشبه الظل تقابلهم في العمل. حبيبة، خادمة، جارة، ومجهولة مستهدفة.


الأعمال التالية كُتبت على التوالي، " كل الأسماء" فـ " الكهف" فـ " الآخر مثلي". وتستمر النقود كما هي، فلغة الكاتب الإفتراضية تفترض حتى الحوار، وتتخيل حدوثه وما يترتب على هذا الحدوث من حركات وآثار في القصة. وهذا كله من أجل إبقاء حالة الإحتمالية قائمة، وبالتالي بقاء الإفتراض كمكوّن أساسي وأصيل للعمل قائماً. ففي " كل الأسماء"، نقرأ هذا الحوار الداخلي المفترض للوقائع عند البطل " دون جوزيه". " ذهب في اليوم التالي صباحاً، ولكنه قرر عدم الصعود .... . من المؤكد أنهم سيردون عليه بأنهم لا يتذكرون،....، وإذا كان هناك من سيقول نعم، يبدو له أن لديه فكرة غامضة، فإنه سيضيف على الفور بأن علاقاتهم لم تكن تتعدى حدود العلاقة الطبيعية بين أناس مهذبين، وسيلّح دون جوزيه، ألم تعد تراهم، لم أرهم قط،.....". ثم يتحول شكل هذا الافتراض مرات إلى حوار واقعي داخل مسار القصة، ومرات إلى مجرد حديث داخلي متخيل. تكمن إحدى خدع اللغة الإفتراضية، في الإنشاء والتتبع والتفصيل لبديهيات ما، سواءً كانت منطلق فكرة أو بداية مشهد وحركة، فمثلاً؛ حين يصف دخول البطل لقسم الموتى ليلاً، نكاد نلمس فعلاً رغبة غريبة في المد والتطويل، لم نجد لها  داعٍ فني فيما يتلو هذا. ما نلحظه هو قلة التناغم بين طبيعة هذه الشخصية والأحاديث التي يستطرد فيها الكاتب، وإذا كان ساراماغو قد علمنا أنه يكتب من أجل الفكرة وأن الإفتراض هو الأساس لا الضبط المنطقي الواقعي " الحبكة"، فإن كثيرا من الأفكار لم تكن لتنضوي تحت هذا الإفتراض أصلاً، بسبب كثرتها وتشابكها وتشغبها، ولكنه حين يعود لإكمال القصة تكون فريدة، والإيحاءات ذات الصبغة الفلسفية التي تخلف بعض الأحداث كانت قوية وواضحة عن ذاكرة الموت والحياة في الواقع وفي أرشيف "السجل المدني". في آخر ثلاثين صفحة من العمل، تحضر لغة ساراماغو المتحركة والمثيرة القصصية بالذات، التي يسارع بها وتيرة العمل، وعند هذه النقطة تصبح الفكرة مشوقة. فالبناء السابق والوعي المخلوق على الرغم من تهتك لغته وتشظيها وانفراطها، يمكن له أن يفجر تلك الإثارة الروائية العامة، وهذا فقط -عندما لا يعاند انطلاقه- ذلك الوعي البنائي الجامع لتلك التشرذمات المتناثرة في العمل. إن ثقل فكرة/إفتراض "العمى"، كانت أكثر من كافية ليحرك الروائي القصة والشخوص أكثر من خلق حوارات تأملية أو احتمالية أو اعتباطية شاملة. ولكن هنا، نلحظ وكأن ساراماغو يسخر من تكثيف أو استمرار الجملة السردية في فرد المعاني التي يود أن يقولها، وهذا يدفعه ناحية حِجره الحصين، لغته ذات الجمل الأولية والثانوية/ التقديمية/ الفلسفية. في هذه اللحظة، على القارئ أن يعرف أن هناك لغة ثقيلة وأخرى سهلة متحركة، ففي كل عمل، تتوزع هذه اللغة في النصف الأول أو الثاني أو قد نجدها في الربع الأخير حيث يكون تسارع الأحداث كسيارة فقدت مكابحها على منحدر. في " الكهف" وفي النصف الأول، لدينا لغة ساردة تمازج بين الوصف والتصاوير والأصوات شبه خالية من لغة الزج بقراءة وتحليل وتفسير، ولكننا مع ذلك لا نكاد نفهم طبيعة الشخصيات، هل الأب "سيبريانو ألجور"، جاد وحزين ورقيق، هل هو حكيم أم ضعيف؟، فتلك الحوارات لم تتسم بما يوضح طبيعة هذه الشخصية، هل هي ناقمة وصبورة، أم حليمة ومتفهمة؟، لا نجد الخط الذي يبين ما الظاهر وما العمق، يتفق هذا على الإبنة " مارتا" أيضاً. وحتى نحاول أن نبقى تحت وحدة عنوان واحد، هذا مثال على السيد المراقب والقارئ لعمله، ساراماغو الناقد، " وإذا كان سيخصص لمعاون مدير القسم ذي المزاج العكر هذا، مستقبل أكثر في الرواية التي نرويها، لكان بإمكاننا دون شك أن نطلب منه في أحد هذه الأيام أن يكشف لنا عن أعماق مشاعره في تلك المناسبة، أي السبب الأخير لضيقه - وهو ضيق غير منطقي بالتأكيد- الذي يشأ إخفاءه أو لم يستطع إخفاءه. وربما سيعمد عندئذ إلى خداعنا بالقول، على سبيل المثال، إنه اعتاد على زيارات سيبريانو ألجور اليومية وإنه - وإن كان يستطيع أن يقسم، احتراماً للحقيقة، إنهما صديقان- صار يشعر تجاهه بشيء من التعاطف، وخاصة بسبب الوضع المهني غير الموفق الذي صار إليه هذا الشيطان البائس". نجد في هذا المثال، مراقب وناقد وكاتب معاً - إذا اعتبرنا الكتابة هي العملية الميكانيكية الخاصلة المتمثلة في الإمساك بالقلم وتحريكه، ولكن أين هو الروائي، الذي لا يكلفنا مشقة التراجع كل مرة إلى الوراء وتكوين وصلة من اللغة المعبرة عن مثل هذا الحديث الداخلي الشعوري. إن هذه البنائية الإعتراضية كانت لتكون أكثر قبولاً وإفادة للعمل بمعنى أكثر عمقاً وسلاماً حين تقدم باعتبارها تشكيلاً يبقى في صرامة فعل القارئ والكاتب. فالبديل في هذا المثال، هو قراءة نفسية على أي كيفية فنية ممكنة باستثناء الواردة، داخل طبيعة شخصية " معاون مدير القسم". مثال آخر والذي سيكون طويلاً: "...، فما يتبادر إلى ذهن أي شخص هو أنه عندما يوجه أحدهم أسئلة فإنما يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يعرف، وإذا كان يريد أن يعرف فلا بد أن يكون لديه سبب، والمسألة المبدئية التي يريد سيبريانو ألجور توضيحها الآن في فوضى مشاعره هي سبب أسئلته التي تكشف - إذا ما فُهمت بحرفيتها، ولا يبدو في هذه الحالة أن هناك طريقة أخرى لفهمها- عن اهتمام بحياة هذه المرأة ومستقبلها يتجاوز كثيراً ما هو طبيعي انتظاره من جار طيب، وهذا الاهتمام من جهة أخرى، مثلما نعرف جيدأ، يتناقض جذرياً مع قرارات وأفكار راح يتبناها سيبريانو ألجور نفسه على امتداد الصفحات بشأن إساورا إستوديوسا من قبل، ومادروجا حالياً. المشكلة الجدية وتتطلب تأملاً واسعاً وواعياً، غير أن المنطق الناظم لهذه الرواية وتوجهها، وإن كان خرقهما ممكناً بين حين وآخر، بل وواجباً في بعض الأحيان، لا يسمحان لنا أن نترك إساورا مادورجا وسيبريانو ألجور لمزيد من الوقت في هذا الموقف المحرج، مجبرين على البقاء صامتين أحدهما أمام الآخر، مع وجود كلب ينظر إليهما دون أن يفهم ما الذي يحدث، مع وجود ساعة حائط تسأل، في تكتكتها، لماذا لا يريد هذان الاثنان الوقت إذا كانا لا يستغلانه. ومن الضروري بالتالي القيام بشيء ما. أجل القيام بشيء ما، ولكن ليس أي شيء. صحيح أنه يمكن لنا ويتوجب علينا أن نخرق المنطق الناظم للرواية وتوجهها، ولكن لا يمكن....، .". موضوع هذا العمل هو أزمة الإنسان المعاصر، وينتهي العمل إلى اكتشاف وقرار، يمضي إلى ما قبل النهاية بين حركة قصصية لا تتوقف، حيث تهدد الصناعات الجديدة معيشة هذا الأب صانع الخزف، وأخيراً يزج ساراماغو بأمثولته الرمزية - التي يجب أن تحضر- عن الأنفس أو الجثث المقيدة في شكل كهف تحت المركز التجاري يكتشفه الأب وزوج الإبنة، ويكون الخلاص بهروب الأب والإبنة وزوجها بعد هذا الشقاء إلى حياة جديدة ما، مجهولة. وإذا كنا نقرأ النهاية المرمزة بهذا الوضوح والتي أبانت هدف الكاتب من العمل، فإن طول العمل وبنائياته لم تفعل الكثير، فمزيد من التكثيف الحواري والحركي وكيفيات فنية عنيفة أو هادئة من بناء موعيات القصة كان يمكن بها تقليل هذا الثقل الصلب والحركة المنتظرة والبطيئة حتى تخرج تجليات هذه الأزمة الإنسانية.



في عمل " الآخر مثلي" الجميل، وبعد أن نتجاوز المئة والخمسين الصفحة الأولى - التي سنستل منها بعض أمثلته هنا، يحدث أن يكون هناك صفاء غير معهود، فيمكن لنا أن نقرأ مئتين صفحة في هدوء وانسياب وتدفق مثير. ولكن لنبدأ بأمثلة الناقد المتهكم والمتطفل،  يكتب: " ومن يقول المسرح يقول بالطبع السينما. جملة معترضة لا غنى عنها. هناك لحظات في السرد، وكما سنرى فهذا الذي هنا هو كذلك بالضبط، يجب فيها أن يُمنع على وجه السرعة كل تعبير موازٍ عن الافكار والمشاعر من جانب الراوي على هامش ما تشعر أو تفكر به الشخصيات في اللحظة نفسها بموجب قواعد الكتابة الجيدة. إن المخالفة، بفعل التهور أو بفعل غياب الاحترام الانساني، لهذا البند المحدد الذي، بافتراض إمكان وجوده، لن يكون على وجه الاحتمال إلزامياً، يمكن أن يقود الشخصية، بدلا من أن تتبع مسار الأفكار المستقل والانفعالات انسجاماً مع الوضع، أضفى عليها، كما هو حقها المحبوس، إلى أن ترى نفسها مُداهمة بصورة تعسفية بتعبيرات ذهنية أو نفسية، لن تكون مضطراً لأصلها غريبة عليها كلياً، لكنها في لحظة معينة يمكن أن تتكشف على الأقل غير ملائمة وفي بعض الحالات فاجعة، وكان ذلك على وجه الدقة ما حصل لترتوليانو ماكسيمو أفونسو،...". إذاً، فعوضاً عن ألا يقحم نفسه في تطبيق هذا الرأي الفني الذي يراه- ويكرره في أعماله- على هذه اللحظة التي يستعرض فيها دواخل البطل، يفضل أن يقحمه في رؤوسنا. إن الحديث الداخلي في هذا العمل وحضور قراءة الروائي لعالم البطل الجواني وإنعكاساتها على الشخوص يخرج هنا في نضج واضح، لا يعكرها إلا مثل هذا الاعتراضات والتدخلات والتطفل لناقدنا. إن اللغة الإعتراضية تضعف من وعي القصة المُحدث لدى القارئ، فها هو يبدأ إحدى فقرات الفصول من المئة والخمسين صفحة الأولى على النحو التالي: " إن الأسهل بالنسبة إلى كاتب التقرير، أو الراوي، في الحالة الأكثر من محتملة التي يُفضلُ فيها شخص متمتع بالموافقة الأكاديمية، وقد وصل إلى هذه المرحلة، هو أن يكتب أن جولة استاذ التأريخ في المدينة جرت دون عقبات حتى اللحظة التي دخل فيها إلى بيته، وشأن آلة التحكم في الزمن، خاصة وأن الضمير المهني لم يسمح باختلاق شجار في الشارع أو حادثة مرور من أجل هدف وحيد يتمثل في سد نواقص الحبكة، فهذه الكلمات...، أو حين لا نعرف، مثلا، على نحو جيد ماذا نفعل بالأفكار التي تطرأ عفوياً على الشخص، خاصة إذا لن تكن لها علاقة مع الظروف التي يفترض في الشخص أن يصمم فيها على شي......، ... إننا إذا قررنا أن نأخذها بعين الاعتبار وأن نودعها في هذه الحكاية، فإن القصة التي كنا أردنا أن نكتبها يجب أن تستبدل حتماً بقصة أخرى،...، لكن ذلك يوازي أن نعتبر باطلة ولا قيمة لها كل الجهود القاسية المبذولة حتى الآن، هذه الصفحات الأربعون المتراصة والشاقة التي سبق كتابتها، وأن نعود إلى البداية، إلى الصفحة الأولى، الساخرة والسليطة، مبددين عناء شريفاً تم القيام به لتحمل مخاطر مغامرة ليست جديدة ومختلفة فحسب، بل خطيرة إلى درجة عالية، نحن على ثقة من أن أفكار ترتوليانو ماكسيمو أفونسو ستقودنا إليها، لنكتف إذاً بواحد نملكه بدلاً من أن يخيب أملنا مرتين باثنين سنملكهما.". وجنباً إلى جنب الناقد المتطفل، نلاحظ هنا، تلك اللغة التناظرية التقديمية، التي تستعين بالترادف لتكرار معاني المفردات والجمل، بينما تعترضها اعتراضات أخرى موضحة، تجعل من عملية القراءة المفترض أن تتم بسهولة وعمق، إلى حالة من طابور طويل متداخل معوج، وغير مستقيم - حتى نكون ساراماغويين بالمرة. في المثال التالي، يعترف الناقد المتواضع والساخر ساراماغو بأن عليه أن يرتجل حشوة لكي يسد بها عناء الفجوات، "وكما يقال، فيما يبدو، عن الطبيعة، يخشى القصّ هو الآخر من الفراغ، ولهذا السبب، لمّا لم يفعل ترتوليانو ماكسيمو أفونسو شيئا طوال هذا الفاصل الذي يستحق جهد روايته، لم يكن لدينا الخيار ووجب علينا أن نرتجل حشوة لكي نملأ بها الزمن أياً كانت النتيجة حسب الوضع. أما وقد عزم الآن على أن يستخرج الشريط من علبته وعلى أن يضعه في الفيديو، فإننا نستطيع أن نرتاح". والآن، وفي مكان آخر سيصور لك خوزيه دي ساوسا ساراماغو البطل وهو يهم بإلقاء رسالة في صندوق البريد، ولكن في أكثر من عشر صفحات يحدث أن تأكل أمعاءك وعينيك وقلبك، هذا إن تبقى لك قلب. ونكتفي هنا بمثال أخير، " تسلق السلم مع رشاقة مراهق ولم يلاحظ حتى ثقل حقيبته التي كانت، بالطبع، أكثر ثقلاً لدى العودة مما كانت عليه لدى الذهاب ولم ينقصه إلا أن يدخل بيته وهو يرقص. طبقاً للاتفاقات التقليدية الخاصة بالجنس الأدبي المسمى رواية والذي يجب أن يستمر في ان يُسمى على هذا النحو طالما لم تُبتكر له تسمية أكثر اتفاقاً مع وجوهه الخالية، هذا الوصف النشيط، المنُظم في مقطع بسيط من المعطيات القصصية التي لم يدخل فيها بصورة عمدية وبالحيلة أي عنصر سلبي من أجل إعداد الإخراج المسرحي لتضادٍ يمكن له، كما تريد أهداف كاتب القصص الخيالية، أن يكون درامياً مثلما أن يكون عنيفاً أو مرعباً، مثلاً جثة على الأرض تسبح في دمائها، مجمع أشباح، ....، ما دامت مخيلة الروائيين الغربيين، كما أمكن تبيان ذلك ما فيه الكفاية، لا تعرف حدوداً لها على الأقل منذ هوميروس، المشار إليه من قبل، الذي كان، بعد كل اعتبار، أول الجميع. فتحت شقة ترتوليانو ماكسيمو أفونسو له ذراعيها...". تتوازى قوة الفكرة والقصة معاً في مشيج أو انجسام واضح الجدوى الفنية، ففكرة التشابه المتماثل والتام بين شخصيتين إلى حدود غريبة جدا، يأخذ ناحية معنى الإهتمام بالإنسان، فرغماً عن كل الإختلافات نكاد نتشابه تماما إلى حد الصدفة والعبث، اللذين تتحرك من خلالها القصة، والمعنى الأخير يكون، أن الحياة تؤكد أنها لا أكثر من لعبة ما نتماثل فيها إذا اقتربنا من بعضنا، أو لاحقنا بعضنا وفقاً للقصة.


سنقول أخيراً؛ إن موضوعات ساراماغو تكاد تكون موضوعاً وفكرة واحدة متأملة عن الإنسان المنقسم في ذاته والمحاصر من الخارج، وهو حين يكتب قصصاً مختلفة وجميلة جدا، ويبدع قوالب متشابهة، تبقى اللغة واحدة. وهذا المثال الطريف قد يوضح لنا أن الكاتب لا يرى بئساً في أن يجمع أبطال أعماله في استطراد ما، فهو يستعيد بعض الأسماء والأمكنة من أعماله السابقة ليستذكرها في عمله الجديد، كما في " سنة موت ريكاردويس"، و" الطوف الحجري". أما أبطاله، فقد جمعهم مرة واحدة في " الآخر مثلي" حين استحضر أوصافهم الوظيفية داخل تلك الأعمال، وطبعا ضمن استطراد من استطراداته المليون. يقول " شأن رسام الوجوه الذي لم نعرف له اسما ( H - كتاب الرسم والخط )،  وهذا الطبيب العام ( ريكاردوريس - سنة موت ريكاردوريس )، وهذا المصحح للمسودات ... ( رايموند سيلبا- قصة حصار لشبونة )، وهذا الموظف المرؤوس في الأحوال المدنية ( دون جوزيه - كل الأسماء) ". وكأن هذا الاستحضار تعبير عن وحدة الفكرة في أعماله، فلا تهم الاسماء هنا أو هناك بالنسبة للسيد ساراماغو. تبقى أن نقول أن " المنور" روايته الأولى، كانت العمل الوحيد الذي لا نقبض فيها على ساراماغو كما عرفناه بعد ذلك، فالتنقل داخل القصة بين كل مجموعة/ أسرة من سكان البناية، وحركة البناء مع كل فصل الآخذة في نمو متعافٍ ومضبوط، ثم ذلك التنوع الطيفي في الموضوعات التي اشبعتها حوارات الشخوص وخاصة بين البطل " اربيبل" والإسكافي الفيلسوف أو الحكيم " سلفستري" عن مراقبة الحياة، وحوارات الختام بينهما في البحث عن معنى للحياة، إلى جانب ذلك تصويره لأسى وبؤس العلاقات الإنسانية متمثلة في تعقد العلاقات الأسرية واحتدام العلاقة بين الأزواج حيث لا يُرى في الأفق أمل لإصلاحها، ومع هذا الزخم الفني والموضوعي، تم توظيف الجنس بكيفية ذكية كتنفيس عن تعقد العلاقة وتأزمها والغضب الكامن في الداخل، إضافة إلى خلق جو ذلك التأزم من خلال توصيف عواطف الكره والحب واللذة التي تعصف بالعلاقة الزوجية، كل هذا كوّن وأبدع عملاً جميلاً. وبعد هذا؛ هل يصح أن نقول أن "المنور" هو العمل الوحيد الخالي من لغة ساراماغو المعترضة، وفلسفته ككاتب وناقد مشاهد داخل العمل لا من خلفه؟!. أعتقد أن هذا صحيحاً. إن أعمال السيد خوزيه دي سوسا ساراماغو، الذي يقول أن له جدٌ عربي، ويحب رسم الحروف العربية، ستبقى لأنها احتملت أن تتكلم عن الإنسان، بأفكار ورؤية حديثة وغرائبية مفترضة، بخلفيات تاريخية أحياناً، ولكنها ستبقى تحمل في داخلها كل تلك الفوضى التي أرادها، الفوضى العاصرة. إن جهنم/ الجحيم تحمل مخيالاً هائلاً، ووصوفاً دقيقة، لدى المؤمنين بها - وهذا لا يشمل السيد ساراماغو-، إلا أنها تبقى  جهنم. 






الأفلام: 
الحظر - Embargo - 2010، عن إحدى قصص مجموعة " The Lives of Things"
التتمة... Résuméabuiyad